اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :دروس من أزمة الاقتصاد العالمي

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : دروس من أزمة الاقتصاد العالمي

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

الحمد لله مالكِ الملك ومدبرِ الأمر ، رحمنِ الدنيا والآخرةِ ورحيمِهما ، لا معقِّب لحكمه وهو سريع الحساب ، يبتلي بالغنى أقواماً ، ويبتلي بالفقر آخرين بحكمته ، ولصلاح العاجل والآجل ، ويعاقب المُدبر عن دينه وشرعه ، المخالِفِ لفطرته التي فطر الناس عليها ، ويعجلُ من عقوبة الظالم ما لا يعجل من سائر عقوباته . سبحانه وبحمده بيده القسط يخفضه ويرفعه ، تُرفع إليه أعمال الخلائق وأرزاقهم وهو بها أعلم ، فيقضي فيها ما يشاء، بما يشاء، كما يشاء  {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

أشهد ألا إله إلا الله أكرمنا ونعَّمَنا ، وبدينه وشرعه فضَّلنا ، إن أغنانا وإن أفقرنا ، وليس المؤمن التقي من إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ممن يَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ، وأشهد أن محمدَ بنَ عبدِ الله خيرُ الناس للناس ، وأنصحُ الخلق للخلق ، وأقومُ البشر بالحق ابتعثه الله رحمة للعالمين ، فمن لزم غرزه سعد ، ومن تنكَّب طريقه شقي وخسر .

أيها المسلمون، هذه الدنيا دارُ ممر لا دارُ مقر ، دارُ ابتلاء وامتحان لا دارُ راحةٍ واطمئنان ، تُضحك يوماً وتبكي آخر ، ويرتفع فيها من كان شأنه الانخفاض ، وينخفض فيها من كان شأنه الارتفاع ، كم من عزيز فيها ذل ، وكم من فقير أو ذليل صار بين الناس كريماً ، وفي مجالسهم ومنتدياتهم عظيماً . عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: سُبِقَتْ الْعَضْبَاءُ!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ) رواه البخاري. نعم ليست هي بدار قرار وإن ظنها الناس كذلك ، ولا بدار أفراح وإن أرادها الناس كذلك {اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ }. وإن أملكَ الناس بالدنيا من ملكها دون أن تملكه ، ومن سخَّرها لنفع نفسه في دينه ودنياه ، ونفع بها الآخرين ، وإن أشقى الناس بها من حمل همها وثقلها ، وحرم نفسه وأهله خيرها ، ومنع المستحقين حقها . أما الأول فليس يضره من حُمرة السوق إلا كما يصيب الإنسان السليم من الزكام ، والثاني لا يفرح بيوم اخضراره ترقبا وحذارا من يوم نزوله.

أيها المسلمون ، العالم من حولنا له فلسفات وأديان ومذاهب وأطروحات تتزخرف في زمان ، وتقوى في بعض الظروف ، وتزيُّنها عافيةُ وقوةُ من يتبناها ، ولطالما تعرض أبناء الإسلام لمثل هذه الأطروحات تنتقد دينهم ، وتطاول شرائعه ، فيزل من أراد الله فتنته ، ويثبت الله من يشاء من عباده المخلصين المستيقنين . وتذهب الأيام ويذهب الزَّبد جُفاءً ، ويحسر الزَّبَدُ عن حقيقة أحقية هذا الدين ، وأولوية ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرينا الله من الأمثال ما يشهد بصدقه ، ومن الأنباء ما فيه مزدجر للمعرض عنه ، حتى إنه ليشهدُ المُعرض بما تضاحك منه في زمن بعضُ من نُسب إلى التصديق . نقول هذا في أكناف أزمةٍ اقتصادية عالمية طاحنة باتت تهدد عروشاً وكروشاً ، وتعد بالمزيد من التضييق على الفقراء والمحاويج في العالم حيث يقدِّر رئيس البنك الدولي روبرت زوليك عدد من سيعانون من سوء التغذية في أنحاء العالم عام 2008 بـ 960 مليون شخص. وقال زوليك إن البنك الدولي حدد نحو 28 بلدا قد تواجه صعوبات مالية. وغير خافٍ على الجميع ما تتناقله وسائل الإعلام من إفلاس وإغلاق لبعض المؤسسات المصرفية العملاقة ، وتهاوٍ في البورصات العالمية ، وفي الأسواق المحلية ، ومن خسائر بمئات وآلاف الملايين من الدولارات في شرق العالم ووسطه وغربه . ونحن على هذا المنبر ليس من شأننا التحليل الاقتصادي ، ولا نقل الأخبار –مع أن الحصول عليها سهل يسير- لكنما نروم ونهدف إلى النظر من منظار الشريعة والعقل إلى ما يجري من حولنا ، فنصححَ مواقفنا ، ونحسِّنَ تصرفاتنا ، ونعرِفَ الخير من الشر، ولعل ذلك أن يكون في النقاط التالية:

أولاً: الأزمة كما تجمع التحليلات الاقتصادية أزمة كبيرة ، هي أزمةٌ أمريكية بالمقام الأول ، ولكن آثارها السلبية طالت وستطال اقتصاديات العالم أجمع ، وهذا الموقف ليس موقف الشماتة بمقدار ما هو موقفُ الدرس والعبرة ، وتأمُّلِ عواقب الغرورِ والخيلاءِ ، والظلمِ ، والغشِ ، والخداعِ التجاري ، وبيوعِ الوهم ، وظنِ القدرةِ على كل شيء ، وتعدي ذلك إلى التعدي على الأموال والأنفس والممتلكات ، واحتلال البلدان ، وقتلِ المسلمين!! أما وقد فعلت أمريكا كُلَّ ذلك فإن سنة الله لا تتخلف ، إذ اجتمع عليهم إفساد الداخل والخارج فحينئذ يأتي العذاب . وتأمل معي في خبر قوم شعيب ، وهم قومٌ أضافوا إلى شركهم المعصية الاقتصادية {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{85} وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } ثم أخبر بعذابهم وعاقبتهم: { وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ{90} فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ{91} الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ{92} فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ}

وقال في سورة هود: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ{85} بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}

وما أكثر القائلين اليوم لئن اتبعتم الاقتصاد الإسلامي وتركتم الربا إنكم إذاً لخاسرون ، وها نحن اليوم نرى عاقبةَ الربا ، وضراوةَ الظلم بأهله ، ومكرَ الله بالكافرين. نعم إن ما حصل إنما هو نتيجة لعوامل متعددة وأخطاء مصرفية وقانونية وغير ذلك ، ولكن الغش والخداع وأكل أموال ومدخرات الناس لصالح الشركات العملاقة ما كان يوماً مجرد أخطاء قانونية ، ولكنه حربٌ لله ولرسوله ، ومعاندة لمفهوم إنسانية أناسٍ لصالح آخرين ، نعم هذه صورة قبيحة من صور الحضارة المعاصرة نفرح –والله- بانكشافها ، ونشفق على العالم منها ، ونعلم أن عندنا ما في صلاح دينهم وصلاح دنياهم ، فيا ليت قومي يعلمون.

ويا أهلنا في العراق وفي أفغانستان وفي غزة المحاصرةِ وفي فلسطين ، ويا كل من لحقه أذى الحكومة الأمريكية لن يُضيع الله حقوقكم ، ولن ينسى الله مصابكم فالجبار لا ينسى ، ولكن {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وأُملي لهم إن كيدي متين}. وإن الظلم مرتعه وخيم . الفيل الأمريكي يطعنه هذه الأيام القرن الأفريقي ، وتخنقه عمامة طالبان الأفغانية ، وتكتمه الغترة العراقية ، ويكاد يلتف عليه السجاد الإيراني ، ويهم به ويتحرش به الدب الروسي المتعافي ، ويكاد يجرفه فيضان الأزمة المالية الأمريكية ، {وما يعلم جنود ربك إلا هو} وإنما ننتصر بمبادئنا ، وتمسكنا بديننا ، ومعرفةِ أنه سر عزتنا ، وبصبرنا ، وبجهادنا ، وبكفنا أنفسَنا عن الظلم ، ولو كان ذلك على من ظلمنا ... فحينئذ يأذن الجبار بنصره ، ويبرُزُ وعدُه ، ويظهر جُندُه ، وقد تحدَّث فوكوياما المبشِّر بنهاية التاريخ على النموذج الأمريكي تحدَّث بعد أن عاد إليه رشده عن زمن نهاية الهيمنة الأمريكية ، وبمثل ذلك تحدث جون جراي أحد أبرز مفكري بريطانيا، والرئيس الروسي ميديفيديف ووزير المال الألماني وغيرهم .

ثانياً: إن سنة الله لا تحابي أحداً ، وفي سورة القمر ذكر الله خبر قومِ نوح ، وهودٍ ، وصالح عليهم السلام ، وقومِ فرعون وما فعل الله بهم ، ثم قال مخاطباً للكفار: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ{43} أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ{44} سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ{45} بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} إن مجموع ما أنفقته أمريكا في حروب ما بعد الحادي عشر من أيلول سبتمبر تقدر وزارة الدفاع تكلفة الحرب بحوالي 600 مليار دولار. ويقدر جوزيف ستيغليتز الاقتصادي الحائز جائزة نوبل وناقد الحرب، التكلفة البعيدة المدى بما يزيد على أربعة تريليونات دولار. وكانت الحكومة تعوِّلُ على قوة ومتانة الاقتصاد الأمريكي ، وعلى عوائد نفط العراق  فباتت الجراح تستنزفها من هاهنا وهاهنا ، ومن هنا نلاحظ أنه كما جازف هذا الحزب اليميني المتطرف برئاسة بوش بأرواح الناس ، وأموالهم ، وممتلكاتهم ، فقد جازف أيضاً بسمعة أمريكا ، واقتصادها ، وأمنِها . وهذا الذي قال بعض الشعراء:

ما يبلغ الأعداء من جاهلٍ              ما يبلغ الجاهلُ من نفسه

إن خيار كل أُمةٍ هم متبعوا الرسل منها ، وإن خير المسلمين من كان أكثرهم تمسُّكاً بدينه ، وإن من شؤم الدين الباطل أن يكون شرُ الناس على نفسه وعلى أهل ملته أكثرَهم تدينا ، لأنه إنما يتديَّن بالافتراء على الله بهذا الدين الباطل ، كما هو ظاهر في هؤلاء الضُلال من النصارى ، حتى بات خذلان الله لهم أوضح من أينبه عليه ، وحتى يكون العلماني الذي لا دين له أقل شراً وسوءً على قومه من مثل هؤلاء المتدينين الحمقى .

ثالثاً: أيها المسلمون إن سياسات وتشريعات الاقتصاد الإسلامية ، التي جاء بها النبي الأمي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً كانت كفيلة -لو طُبِّقت- بتجنيب العالم هذه الأزمة . فإن البنوك ، وشركات الإقراض لما فرغت من كبار المستثمرين ومتوسطيهم طمعت في أموال الطبقات العادية المسحوقة من الناس ، وزيَّنت لهم أخذ القروض الربوية ذوات الفائدة المحرمة ، ثم تعقدت المسألة بعد الربا بتلاعب المقترضين ، ومكر المُقرضين ، ودخلت كائنات طفيلية للتأمين ، وإصدار السندات ، وبيع سندات هذه البيوت المملوكة ... الخ اللعبة القذرة التي أوقعت الناس في الحرج . وفي الملة السمحاء تنفيرٌ شديد من الدَّين ، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان  لايصلي على المدين ، وفيها بعد الدين أمرٌ للمدين بحسن الأداء ، وبحفظ الأمانة ، وأمرٌ للدائن صاحب المال بحسن التقاضي ، والوضع ، والتجاوز عن المعسر . ثم إن الربا أصلا فكرةٌ مرفوضةٌ عواقبها الدينية وخيمةٌ فهي حربٌ لله ورسوله ، والديون لا يجوز بيعها بالديون إجماعاً ويروى فيها حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ ، ولا بد من القبض في البيع ، ولا يجوز المتاجرة في محرم إلى آخر الضوابط التي تحمي بإذن الله وتضع الضمانات للسوق من أن تنهار بمثل هذه الصورة ، لهذه الأسباب وغيرها تنادى عدد من عقلاء العالم بعد هذه الأزمة بالرجوع إلى الاقتصاد الإسلامي وتحكيم القرآن الكريم على معاملات الأسواق العالمية ، هكذا جاء في مقال نشر مؤخراً لرئيس تحرير مجلة «تشالينجز» ووجهه إلى البابا بنديكت ، يقول بوفيس فانسون: «أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من مفاهيم وأحكام وطبقوها =ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات ، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري ، لان النقود لا تلد النقود»..

وكتب رولان لاسكين رئيس تحرير « لو جورنال دي فينانس» تحت عنوان «هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادىء الإسلام؟» لا بد من تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي هزت أسواق العالم جراء التلاعب بقواعد السوق والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة..».

و في كتاب صدر للباحثة الايطالية (نابليوني) بعنوان «اقتصاد ابن آوى» دعوة صريحة ضرورة تبني النظام التمويلي الإسلامي كمنقذ للاقتصاد الغربي.

وتؤكد الخبيرة المصرفية سواتي تانيجا ، المديرة في "مؤتمر منتدى التمويل الإسلامي" الذي سيعقد بمدينة اسطنبول بعد أيام " أن الأزمة المالية التي ضربت العديد من دول العالم تبرز قطاع التمويل الإسلامي كبديل اقتصادي ناجح مشيرة إلى أن هذا النموذج هو ما يحتاجه العالم في الوقت الحالي"

ومن ناحيتها, أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية -وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك- في وقت سابق قرارا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي.

كما أصدرت نفس الهيئة قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية.

والصكوك الإسلامية هي عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.

كما أكد تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الفرنسي أن النظام المصرفي الإسلامي مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين ويمكن تطبيقه في جميع البلاد فضلاً عن كونه يلبي رغبات كونية.

ومحاسن شهد العدوُّ بفضلها    والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ

إن هذه الأزمة الأخيرة أثبتت أن ما قدمته الشريعة الإسلامية من مبادئ اقتصادية متمثلة في تحريم النجش ، وبيع الإنسان ما ليس عنده ، والميسر ، وبيع الغرر والذي يندرج تحته صور كثيرة حيث يصدق على بيع المجهول ، وبيع ما لا يملك ، وبيع ما لا يقدر على تسليمه وغيره لهو الضمان الحقيقي من حدوث مثل هذه الكوارث والأزمات بإذن الله تعالى. فواجب الاقتصاديين المسلمين اليوم كبير ، وواجب أساتذة وطلاب الاقتصاد في وعي هذه الحقائق والتوعية بها كبير أيضاً ، ولا زال الاقتصاد الإسلامي اليوم بحاجةٍ إلى ترشيد ، وتحسين لبعض المنتجات ، وانضباطٍ أكبر بالضوابط الشرعية ، وابتعاد عن التحايل ، وتحليل ما حرم الله ، ولذا فإن الأمانة اليوم كبيرة ، فهل سنقوم بها؟

رابعاً: إن المحن تعلِّمُ الناس التدبير ، ونحن وإن كنا سمعنا التطمينات بعدم تأثر الاقتصاد السعودي بذلك ، وأن نزول سوق الأسهم الأخير غير مبرر وأنه سيؤول إلى عافية إن شاء الله إلا أنه مما لا شك فيه أن سعر البترول سيتأثر ، وأن قيمة الدولار كذلك ستتأثر ، وهو أمرٌ يحتِّم على المسؤولين تقوى الله ، والنظر في مصالح الناس ، واتباع سياسات الإنفاق الرشيد ، وادخار أرباح البترول الحالية لأعوامٍ قد تكون عجافاً ، وإعادة النظر في ربط الريال السعودي بالدولار بما يعود بالخير والرفاء على أهل البلد. ولنا في قصة الملك ورؤياه التي عبَّرها يوسف صلى الله عليه وسلم عبرة إذ قال: { تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ{47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ{48} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} .

ثم أتوجَّه إلى من كان له شيء من تجارة في سوق الأسهم وغيرها بالنصيحة بتحري الحلال ، وأخذ العبرة مما يقع للدول والأسواق العالمية أفن محقها الله أفيعجزه أن يمحق كسبك الخبيث؟! ، فاتق الله يا عبد الله ، ولا تضع مالك في حرام ، ثم بعد ذلك توكَّل على الله ، واحتسب عنده مصابك ، وارجُ منه العوض ، وإياك والهلع ، فكم غرق من يُحسن السباحة بسب الهلع ، وكم أتلف وأفسد ، فتريَّث ، واحذر ، واستعن بالباري ، ولا تتبع إشاعات المغرضين ، وكذبات الكاذبين ، الذين سينالهم نصيبهم من العذاب ، وسيحيق بهم كذبهم خساراً .

 

 

 

الحمد لله خلق فسوى وقدَّر فهدى ، وأخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ، أشهد ألا إله إلا الله الملك الحق المبين ، وأشهد أن سيدنا محمداً رسولُ رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

إن من واجبات الدولة المسلمة أن ترعى مواطنيها ، وأن تقوم بسد عوزهم في الأمور التي تقدر عليها ولا يقدرون ، ومن ذلك ، بل من أشد حاجات الناس أن يكون للواحد منهم مسكنٌ يأوي إليه ، ويأمن على نفسه وعرضه فيه ، ولا يطالبه أحدٌ فيه أو يُخرجَه منه . ونحن إذ رأينا كيف تصرف هؤلاء بالغش والخداع لتلبية هذا المطلب المهم – فإن لنا مندوحة في تيسيرات تقدمها الدولة ، وضمانات تنظيمية ، وتسهيلات تضعها لمعونة أكثر من نصف السكان الذين يعانون من عدم وجود المسكن ، ومن غلاء الإيجارات . وهكذا بقية دول العالم الإسلامي فنحن على الحفاظ على شأن المسلمين ورعايتهم أولى وأحرى من رعاية هؤلاء لشعوبهم ، فاللهم وفق حكام المسلمين للرأفة بشعوبهم ، والحدب عليهم ، وتجنيبهم كل الشرور في دينهم ودنياهم ، يا رب العالمين .

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير ، والموت راحة لنا من كل شر .

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين ، وأذل أعداءك أعداء الدين ، وانتصر اللهم من عدو الإسلام والمسلمين ، اللهم عليك باليهود ومن عاونهم ، أرنا فيهم عجائب قدرتك ، واجعل سعيهم في تباب.

اللهم عليك بمن تربص بنا من المبتدعة ، اللهم اكفنا شرورهم ، ورد كيدهم في نحورهم ، وجنبنا كل مكر يمكرونه ، واجعل عاقبة مكرهم تدميراً عليهم ، يا رب العالمين .

 

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 5 /5 ( 3 صوت )

تاريخ الاضافة: 10-10-2008

الزوار: 735

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
خطبة عيد الفطر 1429
الخطب المتشابهة
دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي
من فقه الإنجاز.. (دروس قبل المشاريع)
الخطبة التالية
من الدرس الاقتصادي عند ابن تيمية
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات-خـطبة الجمعة مكتوبة
دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي-خـطبة الجمعة مكتوبة
هيكل سليمان.. أكذوبة الزمان-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :31517
[يتصفح الموقع حالياً [ 38
الاعضاء :0 الزوار :38
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3