اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :بيوت غير مطمئنة

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : بيوت غير مطمئنة

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً  ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }


أما بعد، فإن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.


أيها المسلمون، إنما خُلقنا لعبادة الله تعالى، قال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}، وقال في نفس السورة: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ}. ومع أنه تعالى خلق عبده للعبادة إلا أنه أصلح له بالشريعة دنياه، فالشريعة الإلهية المنزلة من السماء إنما نزلت لهداية البشر، وإرشادهم، وإيقاظهم لما فيه مصلحة الآخرة، ومصلحة الدنيا.


وإن كان هذا الكلامُ صادقاً في سائر الشرائع، فهو في شريعة الإسلام التي بعث الله بها خير رُسُله صلى الله عليه وسلَّم، وأنزل عليه كلامه الذي هو أفضلُ كُتبه= أقول إن كانت الهداية في الرسالات السابقة، والكتب الإلهية متحققة، فهي في ديننا، وشريعتنا= أتمُّ وأكثرُ تحققاً.


يا عباد الله، وإن مما أصلحته الشريعة وأحكمت بنيانه علاقاتُ الناس بعضِهم ببعض، فوضعت لذلك موازين، ومعايير بها يُعرف الصواب والخطأ، وبيَّنت الحدود والصلاحيات. وفصَّل أهلُ العلم أحكامها، وبيَّنوا شروطها وحدودها.


وأنا في حديثي اليوم، أضرب مثلاً، أريد أن أتوصَّل به بالمقارنة إلى حقيقة يجبُ أن نعلمها جميعاً، خصوصاً في ولاية من الولايات، سيأتي بيانُها والحديثُ عنها.


أحبتي في الله، سلالم التوظيف، وإدارة المصالح والشركات، وكذا الدُّوَل تقتضي أن يكون هناك رئيسٌ ومرؤوس، وعادةً ما يكون الرئيس هو الطرفُ الأكثرُ خبرةً، أو الأقدرُ على إدارة العمل، أو الأكثرُ حرصاً عليه لأنه مالكُه، أو نحو ذلك. ثم ومع تشعُّب الأعمال، وكثرة العاملين ظهر أنه لا بد للجمهور العريض من العاملين من رئاسات جزئية، من إمارة ووزارة، وإدارة وغير ذلك. وفي هذه الأقسام تقل في بعض الأحيان الفروق الفردية بين الرئيس والمرؤوس إلا أن مصلحة العمل تقتضي بقاء هذا الأمر، للتقييم، والمحاسبة، وتسيير الأمور، وتحديد جهة المخاطبة، والمتابعة ... الخ ما تعرفون من النُظُم الإدارية الحديثة. فإن أخطأ الموظَّف كبيراً أو صغيراً أو زَل- أُوكل أمرُه إلى رئيسه يعاقبه، أو يكتب للمسؤولين عن ذلك. وغالباً ما تحدد الأنظمة صلاحيات هؤلاء الرؤساء في العقوبات... وما إلى ذلك. فإن كان الجُرمُ يتجاوز حدود صلاحيات العقوبات المقدَّرة للمسؤول؛ فالواجبُ عليه أن يرفع الأمر إلى مَن فوقه، وربما رفعه من فوقه إلى من فوقه، وهكذا، فليس كل قرار يصلح أن يتخذه كل أحد، فإن اتخذ قراره دون مراجعة من فوقه، وكان هذا القرار خارج حدود صلاحياته كان جديراً بالملام أحياناً، وبالعقوبة في أحيانٍ أُخرى. إذاً المسألةُ مسألةُ إصلاحٍ واستصلاحٍ ليست تشفياً، ولا حقداً وضغينة، ووجود شيء من ذلك، والتصرُّف بحسبه يُعرِّضُ فاعله للمساءلة والعقوبة، في كل مسألة بحسبها. فإن قال هذا المعتدي: هذا أهانني، أو اعتدى علي أو على كرامتي. أو قال: أنا أولى به، وقد أكرمتُه مراراً، وعلى يدي كان توظيفُه، ووجوده هنا، وكم لي من نعمةٍ عليه. قلنا له: وأنت أضعتَ كل معروفك عليه بطيشك واستعجالك، واعتديت على حقوق رؤسائك بأخذك ما هو من صلاحياتهم، وليس من صلاحياتك.


أيها الأخوة في الله، اعذروني وقد أطلتُ عليكم بما تعرفون، ولكنه ذكرى ومثلٌ لما قد لا يعرفه البعض، ويعرفه آخرون ولكنهم لا يطبقون. أقول إن كان هذا في الأعمال المحضة والوظائف، التي غالباً ما تتجرَّد عن العواطف، ويُنظر فيها إلى النظام ومصلحة العمل بدرجةٍ أولى، فكيف بما جعله الله قائماً على المودة والرحمة، وأضاف على قيمة العدل التي بها تقوم السماوات والأرض- أضاف إليها فيه الحُبَّ والإغضاءَ، وجعلَ عند فساده الإحسان والمعروف يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }، وامتنَّ تعالى على عباده به، فقال: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}. وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم خير الناس لزوجاته وأهله، حتى إن الله عاتبه في مبالغته في ابتغاء مرضاتهن، فقال له جل جلاله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.


وقد جعل الله هذا الأمر من دعاء الصالحين، فقال: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}.


ومدَّ الله العِشرة بالمعروف في الدنيا حتى بعد الوفاة، فقال: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}.


فإن دامت العِشرة بالمعروف فهو ما يُحبه الله، ويُثيب عليه، ويمُدُّه من الدنيا إلى الجنة، فمن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }، ويقول سبحانه عن عباده الصالحين: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ }. فهاهم تدعوا لهم الملائكة بدخول الجنة مع الزوجات والذرية، بل ويُدخلهم الله الجنة مع من صلح مِن آبائهم وأزواجهم وذريتهم.


وأما إذا وقع الخلاف، وكانت المصلحة تقتضي التفريق، فلا يجوز أن يكون إلا بالتي هي أحسن، يقول الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً}، بل إن الزوجة التي لم تطل بالإنسان معها مدة، ولم يدخل بها، ولم يجر بينهما ما يُمر الولد والود لتأمره الشريعة بتمتيعها والإحسان إليها، لمجرد ما كان بينهما من عقد، ونية معروف، يقول سبحانه وبحمده: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ}. يقول بعض العلماء: (ومتِّعوهن) وهو تعويضُها عما فاتها بشيء تُعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مُتعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورِق، ودون ذلك الكِسوة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسرا متَّعها بخادم، أو شِبهِ ذلك، وإن كان مُعسرا أمتعها بثلاثة أثواب. ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف.


وأما من يتعمَّد الإضرار، ففي حقه يقول ربه القادر عليه: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } قال العلامة السعدي رحمه الله: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} أي: لعباً بها، وهو التجرؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال المضارة في الإمساك، أو الفراق، أو كثرة الطلاق، أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة، رفقا به وسعياً في مصلحته.


أيها الأخوة في الله، ما الأسرة إلا مؤسسة من مؤسسات المجتمع الكبير، زوجُك وأولادُك، وأمُّك وأبوك، وأختُك وأخوك شركاءُ لك في الحياة، كما هو الحال مع سائر الناس. ولكنَّ أقاربَ المرء الأدنين يسعدون به ويسعد، أو يشقون به ويشقى لما بينهم من الوشيجة والقربى. فأنت إذا ظلمك الظالمُ كان لك في الغالب عنه بدلٌ، وإذا ضاق بك صدرُك من أحد:


ففي الناس أبدالٌ وفي الهجر راحةٌ       وفي الناس عما لا يواتيك مقنعُ.


 


ولكن القرابة لا مخلص منهم إلا بالجراح والألم، ولذا جاء التوكيد الرباني، والأمر النبوي برعاية هذه الحقوق.


أحبتي في الله، واقتضت حكمة الشرع أن تجعل رئاسة البيت للزوج، حقاً له مبنياً على المصلحة، فهو الأكفأ بدنياً ونفسياً، وهو الأقدر على الدفاع عن حرمة بيته وأهله، وهو القائمُ على البيت بالكسب والإنفاق، وهو كما يقول أمية بن أبي الصلت:


أنا الذائد الحامي الذِّمار وإنما        يدافع عن أحسابكم أنا أو مثلي.


ويقول ربنا، وهو أحكم قيلاً: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، ومن واجب القيام على الأسرة الغيرة على المحارم، وكف الأذى والسوء عن الأهل. ومن واجباته النظر في مصلحة الأسرة وتسيير أمرها بما يحقق مقاصد النكاح الشرعية. فإن حصل الخلل أو التقصير كانت هناك خطواتٌ كثيرة من الاستصلاح آخرها العقوبة، قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ}، وكأنه يقول من كانت بهذه المثابة فليس لكم عليها من سبيل، {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}. فالله أقدر عليك منك عليهم.


عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعتُ صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود. فلم أفهم الصوت من الغضب!! فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله عز وجل أقدر عليك منك على هذا الغلام. فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً.  


وفي رواية: فقلت: يا رسول الله هو حرٌ لوجه الله تعالى، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.


أحبتي في الله، هذه المؤسسة قيامها إنما هو على المودة والرحمة، فإن فُقدت المودة فلا جرم أن تبقى الرحمة، وإن فُقدت الرحمة فلا أقل من العدل. والله علي كبيرٌ قادرٌ مطَّلِعٌ، يعلم إن كنتَ ظلمتها أم أنها هي الظالمة، ويعلمُ إن كنتَ فعلتَ ما أُمرت به أم أنك اعتديت حدودك، وأخذت ما ليس لك. فإن كانت الظالمة وكان ما تفعل مما هو من حقك، وهو حقٌ لا يكسر عظماً، ولا يخمش وجهاً، ولا يثلم عرضاً، ومع ذلك إن كان ذلك لك فأين أين المروءة، وأين أين خُلُق الإسلام؟؟


أحبتي في الله، إن ما تطالعنا به وسائل الإعلام من تعذيب آباء مجرمين لبناتهم وأبنائهم، أو عقوبات إجرامية من أزواجٍ لزوجاتهم، لهو مما يعظُم عليه الحساب يوم القيامة، ويستوجب صاحبه به المقت من ربه، وربما ولَّد عليه وعلى المجتمع ردود أفعال سيئة.


وقفتُ أمامه!! شابٌ يافعٌ دون العشرين من العمر، وقلتُ له: ما جريمتُك؟. فقال: قتلتُ أبي!! فذُهِلتُ ودُهِشت، وسألتُه عن الذي أوقعه في ذلك. فذكر لي من إجرام الأب وتعدِّيه على الأولاد وعلى أمِّهم ما دفعهم إلى ذلك. ونحن لا نبرر الجرائم، لا جريمةَ الأب، ولا جريمة الابن، ولكن إن انقطعت لغة الحوار، وتتابع الظلم، وفُقد النصير، وضعُف دور المجتمع، وغاب المصلحون، حينها لا تبقى إلا لغةُ العُنف، والقهر، والتصرفات غير المسؤولة.


إن من بيننا أحبتي في الله- مجرمين في ثياب آدميين، ربما تلقاه لطيفاً كريماً، لبقاً، فإذا دخل إلى بيته انقلب سبُعاً ضارياً، أو كلباً كلِباً. أما تسمعون، أما تقرؤون؛ يدهس زوجته بالسيارة مراتٍ متعددة حتى يجعلها أشلاء، ووالداً يقتل ابنته بطعنها بالسكين، وفي بعض الأطفال كدماتٌ وحروق، أضلاعٌ مكسورة، وآثار سجائر على الظهر والأكتاف والبطن، آثار لأسلاك الكهرباء وآثار أسواط الضرب، والعياذ بالله. نعم إن من حق الأب وولي الأمر، الضربَ والتأديبَ، وهو وإن كان مما ينبغي تأخيرُه من العقوبات، إلا أنه عقوبةٌ مشروعة، ولكنها أتكون مشروعةٌ هكذا. يا سبحان الله، كم تحجرت قلوب بعض الناس، ويا سبحان الله كم غلب الطبع الحيواني الافتراسي على البعض الآخر، ويا سبحان الله أهؤلاء آباءُ وأزواجُ أم مجرموا حرب قد ظفروا بعدوِّهم فهم يتشفَّون منه على طريقتهم الإجرامية.


إنه لا بد لنا من وعيِ دورِنا الإصلاحي الحقيقي، ولا بد لنا من معرفة ما افترضه الله علينا وحدود صلاحياتنا في هذه القضايا، وإنه لا بد للمجتمع من السعي للمراقبة وكفِّ شر هؤلاء عن أهليهم وعن أنفسهم. وإن أعمام هؤلاء وأخوالهم وقراباتهم الذين يعرفون طرفاً من الظلم الواقع عليهم= مشاركون في الظلم والجُرم بسكوتهم، وإقرارهم. وما كثُر هذا الأمر واستشرى إلا لخطأ في فهم المسؤولية وحدودها، ولغياب دور المؤسسات الاجتماعية في دورها الإرشادي والرقابي، وبسببه ضعف الأثر العقابي، وإن كان قد وُجد من ذلك قدرٌ لا بأس به، إلا أننا بحاجة لبناء الأمر كله برمَّته، حتى نعلم أو يغلب على ظننا أن ليس من بيننا مظلوماً أو مظلومة. وإن من واجب الدولة تسهيل أمر التقاضي، وتسريع إنصاف الخصوم، ومن واجبها إيجاد الجهات التي تقلل الشر وتدرأُ الفتنة، وتسمع الضعيف، ولا تتسرع في الاتهام أو تصديق قول طرف في الطرف الآخر، ولكن لا أقل من حجز الظالم عن ظلمه، وإيقاف ما قد لا يمكن تداركه بالتأخير، إلا تفعلوه يستمر الظلم، وتعظُم البلوى، وتتحكم الجاهلية.


أيها المسلمون، كيف تعز أمة لم تنل وتعِش العز في بيوتها وتتربى عليه، كيف نُنصر بمن داخله الخوف والقلق، والوسواس، وهو لا يأمن من قريبه فضلا عن البعيد.


صحيح أن النِّسبة قليلة، وأن بعض وسائل الإعلام تهوِّلها، لمحاولة إظهار مجتمعاتنا بالصورة السيئة، ولمحاولة تشويهنا عند أنفسنا وعند الآخرين لمصلحة المجتمعات الغربية، وصحيح أن في بلاد الغرب والشرق مثل ذلك وأكثر. إلا أننا أولى بالجميل، وانعدام هذه القضايا من بيننا، أو ندرتُها أليق برسالتنا، وسمعتنا. وأنفع لنا ولبيوتنا ومجتمعاتنا، وأبعد لنا ولمجتمعنا عن الجريمة، وفساد الحال.


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معاشنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.


اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 26-12-2008

الزوار: 966

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
السينما في السعودية.. لماذا التحريم؟؟
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
من عبادات الافتقار إلى الله... صلاة الاستخارة، وصلاة الكسوف
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات-خـطبة الجمعة مكتوبة
دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي-خـطبة الجمعة مكتوبة
هيكل سليمان.. أكذوبة الزمان-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :30409
[يتصفح الموقع حالياً [ 13
الاعضاء :0 الزوار :13
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3