إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }
أما بعد ، فإن خيرَ الحديث كلامُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } أيها المسلمون إن وعد الله حق ، وإن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها ، وإن الدنيا دارُ ابتلاء واختبار ، لا دار لهو وسهو وغفلة . ونحن في هذه الملة المباركة ، ومع هذه الشريعة الحكيمة نتعلم الحكمة ، والعدل ، والقصدَ في جميع الأمور ، فهي ملةٌ سمحةٌ قاصدة ، وشريعةٌ واضحة كاملة . وها نحن اليوم في نهاية إجازة –قد يسميها بعض الناس عطلة ، والمؤمن لا تتعطل منفعته على كل الأحوال- امتدت هذه الإجازة مدة أسبوعين من الزمان ، وها هي قد انتهت ، ولنا معها الوقفات التالية :
أولاً : جميع الأعمال التي يعملها المسلم يمكن أن تكون عبادة يَتقرَّب بها إلى الله تعالى بشرط أن تكون هذه الأعمال أعمالاً مباحة ، وأن يكون له فيها مقصدٌ حسن ، فساعةُ راحتك ولهوِك يمكن أن تكون من العبادة ، وذهابك إلى البَرِّ وأخذُك لولدك إلى الفُسحة والنُّزهة يمكن أن تجعلها عبادة ، وذهابُك للزيارة أو للسياحة ، أو استقبالك لرفاقك وأحبابك ... كل هذه الأمور وغيرها يمكن أن تجعلها من العبادات ما دامت أموراً مباحة ، لم يداخلها الحرام ، قال الحسن : إن المؤمن يفجؤُهُ الشيء ويُعجبه فيقول : واللهِ إني لأشتهيكَ ، وإنَّك لمن حاجتي ، ولكنْ –واللهِ- ما من صِلَةٍ إليك ، هيهات حِيلَ بيني وبينَك . فاستجمع الحلال ثم اقصد فيه قصداً صحيحاً معتبراً شرعاً مثل مقصِدِ إجمام النَّفس توصُّلاً لمزيد من العمل ، أومقصد التوسيع على الأهل والعيال ، أومقصد إدخال السرور على قلوب المؤمنين ، أومقصد إحسان تربية أهلك وحُسن معاشرتهم ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : ((وفي بُضع أحدكم صدقة)) ، قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدُنا شهوته ، ويكون له فيها أجر؟ . قال صلى الله عليه وسلم : ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيه وزر؟ ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) رواه مسلم . وثمَّة شرطٌ ثالث حتى تُدرِكَ بمثل هذه الأعمال أجر العبادة ، ألا وهو ألا تشغلك هذه الأمور عن العبادة التي أَمَرَكَ الله بها ؛ فلا استقبالَ لضيوفٍ في وقت الجماعة ، ولا ذهابَ بالأهل والولد إلى أماكن المنكر ، ولا إتيانَ للزوجة في الوقت الذي حرَّمه الله ... فبهذه الشروط تؤول أعمالك العادية قُرَباً تُقرِّبُك إلى الله . ولذا فأنت ترى أن الشريعة بكمالها لمَّا ألمحت إلى فضل عمل وأوضحته ؛ لم يكن ذلك ليكون على حساب أعمالٍ أُخَرَ أهمَّ منه . ولذا فإن المسلمَ (المسلمَ) إن توسَّع وَلَها ، أو جَدَّ واشتغل فإنه يطلبُ مرضاة ربه ، ويتقلَّبُ في مِنَنِه ونِعَمِهِ عليه سبحانه ، معَظِّماً لأمر ربه ، منقاداً لشريعته ، لا يعملُ ولا يتركُ إلا وهواه تابعٌ لما جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك هذه الإجازة فإن للمؤمن فيها شأناً ، فهو يستجم بها –نعم- ويستريح من عناءٍ متواصل ، ولكنها استراحةُ المحارب ، ووقفة المتأهِّب ، وتزوُّد المسافر .
عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكَّرَنا الجنةَ والنارَ حتى كأنا رأي العين ؛ فقمت إلى أهلي وولدي فضحكتُ ولعبتُ . قال فذكرتُ الذي كنا فيه ، فخرجتُ فلقيتُ أبا بكر ، فقلتُ : نافقتُ ، نافقتُ . فقال أبو بكر : إنا لنفعلُه !! فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا حنظلة لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم ، يا حنظلة ساعة وساعة . الحديث رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد ، وهذا لفظ ابن ماجه وأحمد .
ولذلك فإنه لا بد أن يكون لك بعد الإجازة من جد واجتهاد ، واشتغال بالنافع في أمر عملك ، أو أمر دراستك . فإن العمرَ قصير ، والدنيا كما أسلفنا دارُ سباق ، وإنك إن توقفت فيها برهة سبقوك ، فلا تتوقفْ إلا لتتزوَّد ، ولتعودَ أقوى انطلاقاً ، وأكملَ استعداداً. {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} . قيل لأُويس القَرَني –رحمه الله- : إن الجنة لتُدرك بدون ما تصنع ، وإن النار لتُتَّقى بدون ما تصنع !! فقال: واللهِ لأجتهِدَنَّ ، ثُمَّ واللهِ لأجتهدنَّ ؛ فإنْ نجوتُ فبرحمةٍ من الله ، وإنْ دخلتُ النار فَبَعدَ جُهدي .
إننا بحاجة إلى الموظَّفِ الأمين ، والطالبِ المجتهد ، والمُعاملِ والمقاولِ المُخلص ، والشرطيِّ المتيقِّظِ ، والأستاذِ الرفيقِ ، والطبيبِ الماهِرِ الناصح . نحن بحاجةٍ إلى أن تكون أعمالنا ومجالات دراستنا مفعمةً بالحيوية والإخلاص ، يحقِّقُ كل واحدٍ منا في مكتبه ومتجره ومدرسته وشركته لبنة –ولو واحدة- للإصلاح ، ولتوفير مقدَّرات الأمة ، وبنائها البناء الصحيح .
ثانياً : إن هذه الإجازات –أيها الناس- فرصٌ للانتقال من جد إلى جد ، فرصٌ لإنجاز بعض الطموحات والقيام ببعض المهمات والأماني التي يقصُرُ وقتُك عن الوفاء بها ، ففي إجازةٍ لمدة أسبوعين تستطيع أن تتعلم فنا من الفنون ، أو تتقن حفظ أجزاء من القرآن ، أو تطوِّر من مهاراتك في الإدارة أو القراءة أو التعامل مع الأسرة ، وفي مثلها يُمكنك أن تزور عالماً أو مربياً أو صالِحاً ورِعاً ، أو خبيراً مُتقِناً أو أي إنسان يكون في زيارتك له فائدة دينية أو دنيوية ، حتى ولو تكلَّف ذلك سفراً وانتقالا ؛ فإن الوقت حينئذ لن يكون ضيقاً عليك . تستطيع في الإجازة أن تصل رحمه ، أو تطوَّع بالنوافل من الصيام الذي قد كانت تُثقِلُهُ عليك الوظيفة ، وفيها يُمكنك تذوُّقُ لذةِ قيامِ الليل وحلاوةِ مناجاة رب العزة بكلامه ، فيخلو المرءُ بربه ، يناجيه ويناديه ، ويجأرُ إليه قارئاً لكلامه ، متذللاً متخشعاً بين يديه في ظلمة الليل والناسُ نيام ، وفيها يزداد من نوافل الحج والاعتمار ، ومن القراءةِ ، نعم القراءةِ للقرآن وللنافعِ المفيدِ من أمر دينه ودنياه . إنها خلطٌ للجد بالإجمام ، وللراحة بالاستعداد ، وللّهو بالعمل .
قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فإذا فرغت فانصب} قال ابن زيد، في قوله:( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) قال عن أبيه: فإذا فرغت من الجهاد، جهادِ العرب، وانقطعَ جهادُهم، فانصب لعبادة الله (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) . وعن مجاهد( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب ، فصّل. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: إن الله تعالى ذِكرُه أمر نبيَّه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته ، مما أدّى له الشغل به وأَمْرُهُ بالشغل به إلى النَّصَب في عبادته ، والاشتغال فيما قرّبه إليه ، ومسألته حاجاته ، ولم يَخصُصْ بذلك حالاً من أحوال فراغه دون حال ، فسواءٌ كلّ أحوال فراغه . من صلاة كان فراغُه ، أو جهادٍ ، أو أمرِ دنيا كان به مشتغلاً من غير خصوص حال فراغ ، دون حالٍ أخرى. وقوله:( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك ، دون مَن سواه من خلقه .
إن ربكم أيها المسلمون يحب أن يُذكر حين يغفل الناس ، وتُعجبه تعالى الشجاعة حين يخاف الناس ، وهو –جل في علاه- يرضى عن الكريم إذا أعطى حين يشح ويبخل الناس ، وكان صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه فرحا واستبشارا إذا أُطيع في ساعة الشدة والعُسرة .
ومن ذلك أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} .
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قلت يا رسول الله لَمْ أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان !! قال صلى الله عليه وسلم : ((ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) رواه النسائي .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشابٌ نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأول فقال : يارسول الله أي الجهاد أفضل؟ ، فسكت عنه ، فلما رمى الجمرة الثانية سأله ، فسكت عنه ، فلما رمي جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب قال : (( أين السائل ؟)) قال : ها أنا يا رسول الله . قال صلى الله عليه وسلم : (( كلمة حق تقال عند سلطان جائر)) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح
وفي غزوة حنين انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقي وجاه العدوِّ حاسراً ظاهرا يعلن عن نفسه ، ويدعو الصحابة إليه . ففي صحيح مسلم : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ فَقَالَ : أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ ؟ فَقَالَ : أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا وَلَّى ، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنْ النَّاسِ وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ ؛ فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ؛ فَانْكَشَفُوا ؛ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ ؛ فَنَزَلَ وَدَعَا ، وَاسْتَنْصَرَ ، وَهُوَ يَقُولُ : ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ..... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ.. اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ)) قَالَ الْبَرَاءُ : كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ = نَتَّقِي بِهِ ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم .
وعن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا . فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا . فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْسُنِيهَا . فَقَالَ : ((نَعَمْ)) فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ . رواه البخاري .
ومن أخبار الكرام أنه لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزو الروم ، وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورَّى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشُّقة وشدة الزمان ، ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم جَدّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النّاسَ بِالْجِهَازِ وَالِانْكِمَاشِ وَحَضّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ الله ؛ فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : حَدّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ أَنْفَقَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : اللّهُمّ ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ ، فَإِنّي عَنْهُ رَاضٍ . وفي الأخبار المسندة عن عبد الرحمن بن سمرة قال : رأيت عثمان جاء بألف دينار فصبَّها في حِجْرِ النبي صلى الله عليه وسلم حين جهز جيش العسرة ؛ فرأيت رسول الله يُدخل يده فيها يُقلبها ويقول : ((ما ضَرَّ عثمانَ ما عمل بعد هذا اليوم ، ما ضَرَّ ابنَ عفان ما عمل بعد هذا اليوم)) رواه أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في السنة .
فهذه الأخبار قليلٌ من كثيرٍ من خبر القوم ، وما كانوا يتعبدون به ربهم في كل أحوالهم ، لا يمنعهم الضيق ولا اختلاف الحال ولا الحاجة أن يكونوا فيه كحالهم في السعة ، بل أرضى ، وأطوعَ ، وأسخى ، وأرجى لرضوان الله . هؤلاء قومٌ لكأنهم رأوا أهلَ الجنة في الجنة مخلَّدين ، وأهلَ النار في النار معذَّبين ، شرورُهم مأمونة ، وقلوبُهم محزونة ، وأنفسُهم عفيفة ، وحوائجُهُم خفيفة ، صبروا أياماً قليلة ، لعقبى راحةٍ طويلة . فاللهم ألحقنا بهم .
ثالثا : الاقتصاد حسنةٌ بين السرف والتقتير ، والتوسُّع والترخُّص منزلة بين الانفلات والتزمُّت ، والفرح واسطةٌ بين الحزن والبطر ، وخير الأمور الوسط . أيها المسلمون إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان لا يمنعه ضحكه ، وعيشه لحياته بكل تفاصيلها ، وبكل ملذاتها المباحة من أن يقتصد في الحلال ، فما كان صلى الله عليه وسلم يُرى ضاحكاً حتى تبدو لهواته صلى الله عليه وسلم . وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ، نعم يمزح ، ولكنه لم يكن يقول إلا حقاً فلا كذب ، ولا ترويع ، وإنما هو اللطف والرأفة والرفق والرحمة {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} . فالعاقل عندما يفرح لا يبطر ، وعندما يغتني لا يأمن الفقر ، وعندما يعلو يوقن بأنه حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه سبحانه وتعالى . خ ...{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }.
اللهم صل على خير البرية ، وأزكى البشرية ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
الحمد لله الحليم الكريم ، العظيم العليم ، الرؤوف الرحيم ، أشهد ألا إله إلا هو ، وأشهدُ أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسولُه ، بلَّغ وبشَّر وأنذر ، وتركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها ، من استمسك بها اهتدى ، ومن ضل عنها ضل عن الصراط المستقيم .
رابعاً : نحن في هذه البلاد المباركة على ارتباطٍ وثيق بأمر شعائر الإسلام ، فالجزيرة جزيرة الإسلام ، والدولة ترفع شعار الإسلام ، ومكةُ والمدينةُ والمشاعرُ في عمق مشاعر أهل البلاد إلا من شذ منهم ، ومصالح الناس وأعيادُهم ومعايشهم لها ارتباطٌ وثيقٌ بمواسم الخير هذه ، يتبعها عيد الفطر بعد رمضان ، وعيد الأضحى بعد وقفة عرفات . فهذه أعيادنا ، وهذه إجازاتنا الرسمية ما لنا منها من بُد . ولا يتخيل عاقل انفكاك هذا عن هذا . ولا يصلح لأهل هذه البلاد أن تُغيَّر أعيادهم ومواسمهم ، ولا أن يُربَطوا بمناسبات غير هذه المناسبات ، قال صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا)) رواه مسلم .
ثم إن أعياد الكفار من شعائر دينهم ، يُحتفل بها في كنائسهم ، وأديرتهم ، ويتعلَّق الناسُ فيه بشعائر وطقوس هي تابعةٌ ومنضوية لأصول اعتقادية كلية ففي عيد الكرسمس وفي ليلة رأس السنة يرتكبون من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ويفترون على الله وعلى عيسى عليه السلام من الكذب ما لا يُقره الله ربُّ العالمين . أيها المسلمون إن بعضنا يقول : ما لك ولهم ، هم لهم دينهم ، فلا تتعرَّض لهُم ما لم يتعرَّضوا لك ، ثم إن دينهم دينٌ سماوي ، وهم مؤمنون ، فأقول : ويح قومي لكأنهم ما قرؤوا القرآن ، ولقد طغت علينا بعض الشعارات ، وتلبيسات القنوات حتى التبس الحق بالباطل ، إن ما عليه هؤلاء النصارى في مثل هذه الأعياد ، بل وفي دينهم لهو ضلال بعيد ، وإفكٌ مبين . وأسوق لكم شاهداً واحداً من القرآن سمَّى الله فيه وحَكَم ، وبيَّنَ وقَضَى عليهم بالكذب والافتراء ، فقال جل وتعالى : { قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{68} قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ{69} مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} .
وإذا كانت الأمور يجب أن تنظر هكذا فإن من الخطأ والجهل أن يُشارك هؤلاء أو يهنَّؤوا بما لو تمنَّينا لهم الخير لتمنينا زوالهم عنه ، ألا وهو هذا الدين الباطل . فلا تجوز مشاركتهم ، ولا تهنئتهم على كفرهم وضلالهم ، وإن هذه الأحكام ليست أحكاما تشددية يفتي بها بعض علماء المسلمين ، بل إنها لمما اجتمعت عليه كلمة علماء المسلمين معاصرهم وقديمهم ، إلى أن وصلنا إلى زمن رقة الديانة ، وضعف التعظيم للشريعة ، ورد محكماتها إلى هلاهيل الحضارة ، ومزيفات التعايش والديمقراطية ، وحتى بلغنا زمنا نطق فيه الرويبضة ممن يتزيَّا بزي أهل العلم وليس منهم . وإن البيان الذي وقعه هؤلاء يهنؤون فيه الكفار النصارى بكفرهم لسقطة عظيمة ، وبلية كبيرة ، دع عنك اجتماع السنيِّ والبدعي ، والعالمِ والجاهلِ على ما لا علم لهم به ، وفيما قال بعضهم إن المسألة خلافية –وليست كذلك- اتهم بعضهم الآخر من يمنع من تهنئة الكفار بأعيادهم بالتشدد والغلو !! فاللهم غفراً ، واللهم رحماك بنا ، أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل .
اللهم وفق علماء المسلمين للقيام بواجباتهم ، والقيام بواجب العلم الذي أمرتهم به ، وبيِّن لنا وللمسلمين الشجي من الخلي ، والمتحقق من الملفِّق ، والعالم من الجاهل .
اللهم ووفق المسلمين حكاماً ومحكومين لتحكيم شرعك ، واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، والقيام بالحق الذي ترضى به عنهم .
اللهم سلِّم إخواننا في باكستان من شرر فتنة قد اشتعل فتيلها ، وحضر أوانها ، اللهم سلِّمهم وسلِّم منهم ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان ، وولِّ عليهم خيارهم .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .