إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكلَّ بدعة ضلالة.
أيها المسلمون، يقول ربنا جل جلاله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فربنا تبارك شأنه، وجل سلطانه بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلَّم ليسوس الناس والدنيا بالدين، هادياً ومبشِّراً ونذيراً، وحاكماً وقاضياً ومفتياً وأميراً، صلى الله عليه وسلَّم. فشرع الشرائع، وحكم الناس، وقضى بين الخصوم، وجاهد في سبيل الله، ونُصرةً للدين، وأمر ونهى، وبعث البعوث، وأرسل السفراء، واستقبل الوفود، ووعد وأوعد، وأعطى ومنع، وكافأ وعاقب. وفرض اللهُ على الناس طاعته، وقال لهم: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} وساس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناسَ خيرَ سياسة حتى جاءه من ربه اليقين، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه من إمام مُرسل، ونبيٍ مبجَّل.
ثم كانت الخلافة من بعده خلافةً للنبوة، في سياسة الناس، والقيام فيهم بأمر الله لصلاح الدين والدنيا، فكان أن ولي للناس أمورَهم خيارُهم، بل خيارُ الخيار، وكان يُشترط لها مراتب عاليةً من الدين والعِلم، فرضي الله عن الخلفاء الراشدين، ثم لم يزل الأمر بعدُ في نقصان كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ حُذَيْفَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضَّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا...)) رواه الإمام أحمد وغيره.
ولما توسَّع على الناس أمرُ الحُكم، ولم يعد بالإمكان لحاكم المسلمين أن يلي جميع أمورهم ومصالحهم بنفسه= وُجدت الإماراتُ والنيابات، وأصبح الملوكُ والأمراءُ يُنيبون من يقوم بما لا يُمكنهم القيامَ به من مصالحِ المسلمين بدلاً عنهم، من القضاةِ، والوزاءِ، وأمراءِ النواحي، ومتولي بعض الدواوين، وهذا أمرٌ لا إشكال فيه، ولا غناء عنه. ولكنَّ الشيطان لا يغيب هنا، كما لا يغيب عن كثير من أمور الناس، يبحث عن مداخله للشر والفتنة، وفاءً بقسمه الذي أقسمه إذ يقول: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. إذ كثيراً ما تدخل هذه الأمورَ الأهواءُ والمصالحُ الشخصيةُ، واعتبارات القرابة والحب والبُغض. وأهل العلم يقولون في قاعدة فقهية شهيرةٍ عندهم: التصرُّف على الرعية منوطٌ بالمصلحة. فليست القضيةُ هباتٍ توزَّع، ولا تعبيرات عن الرِّضى والسُّخط، ولكنما هي مصالح المسلمين تُوكل إلى أناس، فإما برٌ تقي، وإما فاجرٌ شقي. ولا تبرأ الذمة إلا باختيار الأكفأ فالأكفأ من الأمراء والوزراء والمستشارين والمسؤولين. حتى قال ابنُ تيمية رحمه الله: ((ثم الوليُ والوكيلُ متى استناب في أموره رجلاً، وتَرَكَ من هو أصلحُ للتجارة أو العقار منه، وباع السلعةَ بثمن، وهو يجدُ من يشتريها بخيرٍ من ذلك الثمن، فقد خان صاحبَه، لا سيما إن كان بين من حاباه وبينه مودةٌ أو قرابة، فإنَّ صاحبَه يُبغضُه ويَذُمُّه، ويرى أنه قد خانه... إذا عُرف هذا، فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختارُ الأمثل فالأمثل في كل منصبٍ بِحَسَبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأَخذِه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله وإنْ اختلَّت بعضُ الأمور بسببٍ من غيره؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم}))[1] . اهـ
ومن هنا، ومن فقه السلف لهذه لحقيقة هذه المراتب والمناصب والمسؤوليات، دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وقال: السلام عليك أيها الأجير!! فقال الناس: الأميرُ!، يا أبا مسلم. ثم قال: السلام عليك أيها الأجير!! فقال الناس: الأمير. فقال معاوية وكان من أعقل الناس وأحلمهم رضي الله عنه: دعوا أبا مسلم هو أعلمُ بما يقول. فقال أبو مسلم: إنما مَثَلُك مَثَلُ رجلٍ استأجر أجيراً فولَّاه ماشيتَه، وجعل له الأجر على أن يُحسن الرِعية، ويوفِّ جزازَها وألبانها، فإن هو أحسن رِعيتها ووفَّى جزازها حتى تلحق الصغيرة، وتَسمَنَ العجفاء= أعطاه أجرَه وزادَ مِن قِبَله زيادةً. وإن هو لم يُحسن رعيها، وأضاعها حتى تهلك العجفاءُ، وتعجَفَ السمينةُ، ولم يوفِّ جزازَها وألبانَها= غَضِبَ عليه صاحبُ الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر. فقال معاوية رضي الله عنه: ما شاء الله كان[2].
أحبتي في الله، إن مَن عَلِم ما في هذه المسؤوليات من الأمانة لجديرٌ أن يستعمل الحزمَ، وأن يُظهر الجدَّ، وأن يحضُره الهمُّ، فهي مسؤوليةٌ تُلقى على عاتقه، وقد كان قبلها مسؤولاً عن نفسه، وعن أفرادٍ معدودين من أسرته ونحوِهم، وإذا به يُصبح مسؤولاً عن الجم الغفير من الناس، عن مصالحهم، وعن إرضائهم، وعن القيام بموجب القسط والعدل فيهم. فوالله إنه لجديرٌ أن يطول تفكيره، وأن يحضر همُّه، ثم إن الناس بعد ذلك بين مُنجِحٍ مُفلح، وخائب مضيِّعٍ، أو خائنٍ مُفسد.
أيها المسلمون، إن المسؤول مسؤول، نعَم، هو مسؤول أمام الله عن أمانته، وهو مسؤول ممن ولَّاه المسؤوليةَ كيف قام بها، وهو مسؤول عنها من الناس، فليَنظُر كيف خلاصُه من هؤلاء؟! وليعتبر بزوال المناصب عمَّن سبقه، فمذمومٌ وممدوحٌ، ونظيفُ اليد وخائنُها، وليتقِّ الله ربَّه، ولا يبخَسْ منه شيئاً.
وإن مما يتوجَّه لمن تولى ولاية من ولايات المسلمين أن يحرص على أمور:
أولاً: من واجباته –خصوصاً في هذه المرحلة التي تمر بالعالم فيها أزمات اقتصادية وانخفاضات في أسعار بيع البترول- أقول من واجباته أن ينظر للنفقة بالمعروف، وألا يبخل على شيء من مصلحة الناس الحقيقية. فلا خير في المال إن لم ينتفع به الناس، وفي المقابل لا يخرق كفَّه ويبذِّرَ أموال المسلمين –فالمال مالُهم- في الاحتفالات، والشكليات، والسيارات، وتوسيع دوائر النفوذ غير المشروعة، وإعطاء الأموال لغير مستحقيها، فضلاً عن السرقة، أو المشاريع الوهمية، والصفقات الداخلية لجهاتِ المحسوبية.
وسطٌ بين طرفين، يكون بينهما عفيف اليد، نقيَّ الثوب، طاهراً من كل شين.
ويجب علينا في هذه المرحلة أن نراجع بل ونترفَّع على مسألة القضاء على الميزانية في آخر السنة كي لا يرجع منها شيءٌ لوزارة المالية، فلا الزمان الزمان، ولا الإمكان الإمكان، فضلاً عن أنه خيانةٌ للأمانة. وعلى وزارة المالية عبءٌ في تقييم احتياجات كل مصلحة ووزارة في كل سنة، لا أن يحاسبوهم على مصاريفهم لأعوام مضت، فيُلجِؤوهم إلى مثل هذه التصرفات، والله المستعان.
ومن المناسب المُحتاجِ إليه عند فسادِ الذِّمم، وتغيُّر الزمن أن يكون هناك عمليةُ كشف لحساب المسؤول قبل توليه المنصب وبعد توليه له، ليكون أدعى لحفاظه على أماناته، وولي الأمر يقدِّرُ ذلك في كل زمان بحسبه.
ولما تولَّى أبو بكر ابن زرب -من علماء المالكية- قضاء قرطبة، وجاء الناسُ لتهنئته= كشف لهم عن صندوق من المال، وقال لهم: إن فشا من مالي ما يناسب هذا، فلا لوم. وإن ظهر عليَّ أكثرُ منه، وجب مَقْتي، رحمه الله.
ثانياً: على من ولاه الله أمراً من أمر المسلمين أن يدنوَ منهم، وأن يجعل نُصب عينه مصالحَهم، وألا يحتجب عنهم مستكبراً، أو منشغلاً بقوم عن آخرين، والمطلوب من هذا الوسط الممكن، فلا يحتجب عنهم، ولا ينشغل بهم، وأن يحرص على إعطائهم حقوقَهم بالسوية والعدل. وليعلم الواحدَ منهم أن ربَّه تعالى، عاتبَ أكرم الخلق، وأنزَهَ المسؤولين، لمَّا احتجب مرةً فقط عن ضعيف من ضعفاء المسلمين، وكان احتجابُه صلى الله عليه وآله وسلم لمصلحةٍ مرعيَّة، ومع ذلك جاء الخطابُ الربانيُّ، المتلوُّ إلى يوم القيامة: {عَبَسَ وَتَوَلَّى{1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى{2} وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى{3} أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى{4} أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى{5} فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى{6} وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى{7} وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى{8} وَهُوَ يَخْشَى{9} فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى{10} كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ{11} فَمَن شَاء ذَكَرَهُ}.
ثالثاً: لا بد للمسؤول من أن يمتلك أسباب القوة في عمله، وأن يحرص على تعيين المستشارين الأكفاء، وأن لا يستبد برأيه، أو يهجم على بعض الأمور بجهله، فالمرء عالم ما تعلَّم وطلب العلم، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جهل.
ومن هذا الباب يجب ألا تكون الخطط البعيدة المدى، والأمور الكلية التي تتعلق بها مصالح الجم الغفير من الناس= يجب ألا تكون باستبداد الرأي، والحلول المستعجلة، بل يجب أن تُوضع على أعين الخبراء والمستشارين، وأن تُرسم بغاية الدقة، مراعَىً فيها تقوى الله، ومصلحة الناس.
ومن المهم أن يدرك المسؤول أن ما لديه من رؤى وحلول لظاهرة كظاهرة التخلف الحضاري -مثلاً- أو تطوير التعليم أو نحو تلكم القضايا= هو جزء من الحقيقة وباقي الأجزاء عند غيره؛ ولهذا فإن البحثَ والحوارَ والاستفادة من آراء الآخرين يكون أمراً بالغ الأهمية لتكامل الرؤية[3].
وإذا كان الأمر هكذا!! لم يكن لمسؤول يأتي بعد مسؤول أن يكون كمن ينقض غزل سابقه من بعد قوةٍ أنكاثاً، فينقُضُ ما أبرم، أو يعيد النظر في الاستراتيجيات والخطط بما يقضي عليها. فكيف يكتمل بناءٌ كلما تولى عليه مقاول هدم كلَّ بناءِ مَنْ سَبَقَه، ولكنْ التحسينُ، والتطويرُ، والإبداعُ، والتجميلُ.
رابعاً: من أعظم ما يُناط بالمسؤولين في هذا الزمن الذي فُتحت فيه الحرب على الإسلام عقيدةً وشريعة في الداخل والخارج، في الإعلام وفي وزارات الخارجية، ومنظَّمات حقوق الإنسان= أن يُراعيَ –كلٌ في مجاله- منجزاتِ الدولة وتميُّزَها في المسائل الدينية، فنحن نفخر بحمد الله بما جمع الله لنا من الدولة المدنية المتطورة، مع المحافظة على كثير من أمر الشريعة، ونطلب المزيد من التطبيق لأمر الله. ولا يقبل مؤمنٌ يؤمن بالله واليوم الآخر لنفسه أن يُؤتى الإسلامُ من قِبَله، أو أن يُنتقَص تحكيمُ الشريعة في القضاء أو في المصالح المختلفة من صحةٍ وتعليمٍ وعملٍ وتجارةٍ وغيره بسببه، أو تحت نظره. وليعلم المرءُ منهم بأن السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية ليست موكولةً إلى آحاد الناس، بل ولا حتى إليه هو في الأمور التي جاءت الشريعة بتنظيمها، بل إنها موكولةٌ إلى المجتهدين وأهلِ الفتيا من أهل العلم، وهيئة كبار العلماء. فما كان فيه النصُّ تفهَّموه وبيَّنوا حُكمَه، وما لم يكن فيه نص كان لهم -وليس لغيرهم- مجالُ الاجتهاد فيه والاستنباطِ من الأدلة، وقياس غير المنصوص فيها على المنصوص.
قال أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي –رحمه الله-: ((السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقربَ إلى الصلاح وأبعدَ عن الفساد وإن لم يضَعْه الرسولُ، ولم يَنزِل به وحي. ومن قال: لا سياسة إلا بما نطق به الشرعُ فقد غلِط وغلَّط الصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالمٌ بالسنن، وكفى تحريقُ عليٍ الزنادقة، وتحريقُ عثمان المصاحف، ونفيُ عمرَ نصرَ بنَ حجاج)) اهـ ولكن ذلك -مرة أخرى- فيما يتعلق بالشريعة لأهل العلم، فهم المؤتمنون عليه، وفي الأمور التنظيمية والإدارية ونحوها إلى من أُوكل إليه من المسؤولين.
وإذا اختلف أهل العلم في بلدٍ لم يكن له مرجعيةٌ علمية، فالأخذ –حينئذ- بالأقوال التي تجتمع عليها الآراء، وينتفي عن الناس بها الحرج= رعايةٌ للأصلح، وجمعٌ للكلمة، ورفعٌ للحرج عن الناس.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى..
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك.
وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وآله وسلَّم تسليماً.
من أعطاه الله تعالى ولاية صغيرة أو كبيرة فلا يغتر بذلك، ولا يظن أنه دليلٌ على رضا الله تعالى عنه؛ فإنه قد ابتُلي بالولاية ابتلاءً عظيما، ولا سيَّما في زمن قد ضُيعت فيه كثير من الأمانات، وعلى حجم ولايته يكون حسابه يوم القيامة، فليتق الله تعالى، وليؤد ما حُمِّل من أمانة، وليكن للناس خادماً، يتلمَّس حاجاتِهم، ويقضي شؤونهم، ويقيم العدل فيهم، ويرفع الظلم عنهم، ولا يجعل ولايته سبيلاً لنيل شهواته وعلوه على الناس؛ فإن الولاية تكليف قبل أن تكون تشريفاً، قال النبي صلى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ على الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يوم الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ»رواه البخاري.
قال العلماء:«نعم المرضعة، أي: في الدنيا، وبئست الفاطمة، أي: بعد الموت؛ لأنه يصير إلى المحاسبةِ على ذلك، فهو كالذي يُفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكُه».
ثم ليعتبر العبدُ بما يرى من شغف كثيرٍ من الناس بالجاه والرفعة، وحرصِهم عليها، وفرحِهِم بها، وغِبطة غيرِهم لهم فيها..ليعتبِر بما في الآخرة من الفوز العظيم، والمُلك الكبير، والمقام الرفيع {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} وفي الآية الأخرى {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} فليعمل لذلك الفوز العظيم، والملك الكبير، والمقام الرفيع، الذي لا يحول ولا يزول، ولا يُنحى عنه العبدُ ولا يموت، بل يدوم، ويدوم، ويدوم.
اللهم إني أسألك أن تلهم مسؤولينا رشدهم، وأن تعينهم على ما تحملوه من أماناتهم، وأن تفتح لهم فتحا من عندك، وأن تهديهم بجودك وفضلك.
اللهم ارزقهم سداداً في الرأي، وثباتاً على الحق , ورغبةً في الإصلاح، وحبَّاً للخير، وهدايةً بالشرع. وجنبهم اللهم الشرَّ وأهله، وأعذهم من نزغات الشياطين، ووفقهم لكل خير.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.
اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا. وأصلح الراعي والرعية، ووفق ولاة أمور المسلمين لصلاح الدنيا والدين يا رب العالمين.