إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة.
يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وسبحوه بُكرةً وأصيلا} أيها المؤمنون، إن ذِكرَ الله نعيمٌ من نعيم أهل الجنة عُجِّل لنا في الدنيا، فمن أخذ به أخذ بخير كثير، ومن حُرمه كانت مرابعه بلاقع، وكان جسده وروحه كالبيت الخرب.
وقد وردت النصوص الكثيرة جداً في القُرآن والسنة في فضل الذِّكر، ويكفيك منها حديث أبي الدرداء الذي رواه مالك وأحمد وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه بادر أصحابه قائلاً: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى))، رواه مالك والترمذي وغيرهما. وسنُلِمُّ في خطبتنا هذه ببعض قواعدَ مهمةٍ يحتاج الذاكر إلى معرفتها، ومراعاتها عند ذكره لله تعالى، وذلك كما يلي:
القاعدة الأولى: القرآنُ أعظمُ الذِّكر، فهو كلامه سبحانه، وهو خير الكلام وأصدقُه وأحسنُه وأنفعُه، {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}، وفي القُرآن القصة والعظة، والأمرُ والنهي، والخبر والجزاء، والحكم والقضاء، وفيه الخيرُ العظيم. وإنك لن تتقرَّب إلى الله بشيء بعد الفرائض أحبَّ إليه من كلامِه سبحانه وتعالى.
القاعدة الثانية: الكثرة والقلة في كل أمرٍ بحسبه، ولا تُمدح الكثرة في كل شيء، ولكنها في أبواب الذكر ممدوحة مطلوبة. قال تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ}، وقال عند ذكره دعاءَ موسى لأن يجعل معه أخاه هارون وزيراً: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرَاً}، وقال في معرض ذكر غوايةِ الشعراء: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}، وقال أيضاً: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، وامتدح ثُلة من عباده بقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}، وقال لكم معاشر أهل صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فأنت مع ذكر الله على خير، وكلَّما ازددت منه ازددت من الخير.
القاعدة الثالثة: الأذكار قد ترد مُطلقةً غير مقيَّدةٍ بزمان ولا مكان ولا بلفظ معيَّن، كالأمر بالتسبيح والتحميد، والأمر بتعظيم الله، وشكر أنعمه سبحانه. وقد ترد مقيَّدةً بزمانٍ أو مكانٍ أو لفظٍ وحينئذٍ نقول أن ما قيَّدته الشريعة فلا يسوغ إطلاقه، كما أن ما أطلقته الشريعة لا يسوغ تقييده. وعليه فيُقصر الذِّكر على مورده الشرعي، ولا يُنقل إلى ما سواه.
فمما قيَّدته الشريعة في الزمان والمكان: التلبية، فلا يُشرع التعبُّد بها في غير حج أو عُمْرة، لأنها عبادةٌ مخصوصةٌ واردة على زمانٍ ومكان مخصوصين.
ومما قيَّدته الشريعة في اللفظ: أذكارُ النوم، والطعام، والسَّفر، وأذكارُ الصباح والمساء، وأذكارُ الصلوات، والعبادات، فكلُ هذه وغيرُها قد وردت بها نصوصٌ شرعية مُحدَّدة لا يجوز تجاوزها، وتغييرها، فكما أن الذِّكر مقصود في هذه الأمور، فإنه ذكرٌ مُتعبَّدٌ به بلفظٍ شرعي معيَّن، لا يقوم غيرُه من الألفاظ مقامه؛ ويجب التزامه مع الاستطاعة، وعدمُ التفريط به. ولِأَنَّ أَلْفَاظ الْأَذْكَار تَوْقِيفِيَّة فِي تَعْيِينِ اللَّفْظِ وَتَقْدِيرِ الثَّوَابِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي اللَّفْظِ سِرٌّ لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ يُرَادِفُهُ فِي الظَّاهِرِ.
فقد روى أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيتَ مضجِعَك فتَوَضَّأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمتُ وجهي إليك وفوضتُ أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت. فإن مِتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلْهن آخرَ ما تتكلمُ به) قال فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغتُ: اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت قلتُ: ورسولك. قال: ( لا، ونبيك الذي أرسلت) قال: ففعلته. وفي لفظ أحمد: (فإن مِتَّ من ليلتك مِتَّ على الفطرة، وإن أصبحت؛ أصبحت وقد أصبتَ خيراً كثيراً).
قال بعض العلماء: وأولى ما قيل في حكمة ردِّه صلى الله عليه وسلَّم على من قال (الرسول) بدل (النبي) أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائصُ وأسرار لا يدخلها القياس، فتجبُ المحافظةُ على اللفظ الذي وردت به.
القاعدة الرابعة: لا يُشرع رفع اليدين في شيء من الأذكار، لأن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل شرعي، فلا تُرفع اليدان في الذِّكر الذي يُقال بعد الوضوء أو الأذان أو الطعام ونحو ذلك.
القاعدة الخامسة: يُشرع ذِكرُ الله في جميع الأحوال، كما قال جل جلاله: {فاذكُرُوا اللهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وَعَلَى جُنُوبِكُم} فيَذكُرُ العبد ربَّه في بيته وعمله، يذكره في السوق وفي النُّزهة، يذكره صباحاً ومساءً، يذكره راغباً وراهباً. ويُستثنى من ذلك حالتا الجلوسِ على قضاء الحاجة، وجماعِ الأهل، وإن سَبَقَ كلاً منها ذِكرٌ مختصٌ به. إلا أنه في حال ذلك الأمر لا يذكر الله بلسانه، وإنْ ورد على قلبه ولم يستطع أن يغفل عنه بجنانه. قال ابن عباس: يُكره أن يذكر اللهَ وهو جالسٌ على الخلاء، والرجلُ يُواقع امرأته؛ لأنه ذو الجلال يُجَلُّ عن ذلك. رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن.
ووقع الخلاف في الجُنُب والحائض يقرآن شيئاً من القرآن، ولكلٍ من أهل العلم مأخذُه في هذه المسألة، إلا أن ذلك أخصُّ من الذِّكر بعمومه، فلا يمتنعْ العبدُ من ذكر الله، ولا يقطعْ قلبَه ونفسَه عن روحها، ودوائها.
القاعدة السادسة: لا تُشترط الطهارة لذكر الله عز وجل، بل يُذكرُ سُبحانه على جميع الأحوال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرُ الله على كُل أحيانه، رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها. وما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طُهر))، فهذه كراهةُ تنزيهٍ لا كراهةُ تحريم، لأن الذكر على طهارةٍ أفضل، لا لأن ذكر المرء ربَّه على غير طهارة غير جائز، كما نبَّه عليه الإمام ابن حبان رحمه الله.
القاعدة السابعة: الأصل في الأذكار المخافتةُ بها، وعدمُ رفع الصوت، قال تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} قال ابن كثير: "أي: اذكر ربك في نفسك رهبة ورغبة، وبالقول لا جهرًا؛ ولهذا قال: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} وهكذا يُستحب أن يكون الذِّكر لا يكون نداء، ولا جهرًا بليغًا" اهـ. ويُستثنى من هذا الأصل مواضعُ دلَّ الدليل الشرعي على مشروعية رفع الصوت بالذِّكر فيها، فمن ذلك: الأذان والإقامة، والتكبيرات في العيدين، والتلبية في الحج والعُمْرة فقد حدَّث خلادُ بن السائب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: ((جاءني جبريلُ فقال: يا مُحمَّد، مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية)) رواه النسائي. ومنها كذلك: الحمدُ عند العُطاس، وتشميتُ العاطس، والدعاءُ للمتزوِّج، وإلقاءُ السلام وردُّه... وغيرُ ذلك مما ورد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قاله بصوتٍ مرتفع، أو أمر برفع الصوت فيه، أو كان مما يَقصد الشرعُ فيه إسماعَ الكلام لأناس آخرين، والله أعلم.
القاعدة الثامنة: جاءت السُّنَّة بأذكارٍ متعدِّدة للفعل نفسه، فمثلاً ورد في الأدلة الشرعية عدةُ صِيَغ لاستفتاح الصلاة، ووردت أذكارٌ متعدِّدةٌ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولها في ركوعه أو سجوده أو تشهُّده، عليه الصلاة والسلام، والأصلُ في كل ما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلَّم من قول أو فعل أنه سُنة يُقتدى به فيها، كيف وشأن الصلاة ورد فيه حديثٌ مخصوص يقول فيه عليه الصلاة والسلام: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلي)).
فابتداءً، يكفي بعضُ هذه الأذكار عن بعض، وإذا قال المسلمُ واحداً منها؛ فلا حرج عليه ألا يقول غيره، وإن كُنَّا نقول لك ناصحين: إنك -يا أخي الحبيب- لن تزداد من سنة نبيك، وتتبُّع هديِهِ، والازديادِ من التأسي به إلا خيراً، ومَن ازداد مِن هذا الخير- خيرٌ في هذا الباب ممن اقتصر على البعض من سُنَّته عليه الصلاة والسلام دون البعض، وفي كُلٍ خير.
يبقى أنه إذا قُلنا بأفضلية هذا فهل يقول هذه الأذكارَ كُلَّها في كلِّ مرة، أم يأتي بهذا تارةً، وبهذا تارة؟ والجواب: أن الهدي النبوي أن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان يأتي بهذا تارة، وبهذا تارة، ولم يكن يجمعُ بين هذه الأذكار في الموطن الواحد، وبهذا يكون الإنسانُ قد أخذ بالسُنة من كُل وجهٍ إن شاء الله. ويُستثنى من ذلك ما رغَّب النبي صلى الله عليه وسلَّم فيه، ودلَّت القرينةُ على قبول الشارع فيه للجمع بين الأذكار، فلا حرج حينئذٍ من ذلك، وذلك كَمَثَل أذكار ما بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم. وإذا أتى بالذِّكر المتعدِّد في هذه المواضع؛ فلا يجعل لذلك ترتيباً لا يتعداه أو يتجاوزه، ولكنه يأتي بها كيفما تيسَّر دون ترتيبٍ معيَّن.
وبهذا نعلم خطأ ما ينتشرُ عند بعض الناس من أذكار وتراتيب معيَّنة يسمونها: ورد الشيخ الفلاني، وحزب الشيخ العلاني، وفي بعض الجهات يُطلقون عليها اسم الراتب، فيقولون: راتب فُلان. فهذه إن سَلِمَت من المحذور في ألفاظها، وقلَّما يكون ذلك، فإنها لا تسلمُ كثيراً من اعتقاد تميُّزها عن غيرها، والتزام ترتيبٍ معيَّن عند قراءتها، وهذا كله من المضاهاة للهدي النبوي، وإنزال لبعض الناس بمنزلة ما هم ببالغيها.
القاعدة التاسعة: الذِّكر الوارد في عملٍ مُعيَّنٍ لا يُنقل إلى ما سواه من الأعمال إلا بدليل شرعي، فمثلاً لا يجوز أن يعتاد إنسانٌ أن يقول لمن اشترى سيارة: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما بخير، وكذا لا يجوز أن يقول عند السباحة أو الاغتسال: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهِرين، لأنَّ في مثل ذلك قولٌ على الله بغير علم، وإضعافٌ للنص والذِكر في الموطن الأصلي الذي فيه النصُّ الشرعي.
القاعدة العاشرة: الذِّكر المُطلق المُجرَّب، أو الدعاء بكلماتٍ معيَّنة، بطريقةٍ مخصوصة، مما يكون قد انتفع به بعض الخلق من الصالحين أو المضطرين أو غيرهم من الناس، ولم ترد في الشريعة= هذا الباب دحضُ مَزَلَّةٍ، وبابٌ عريضٌ للابتداع في الدين، كأن يقول أحدُ من الناس: إني ما دعوت الله بكذا وكذا إلا استجاب اللهُ دعائي، أو إذا شعرتَ بألمٍ في رجلك فسبِّح كذا وكذا من التسبيحات، فإن كان الألمُ في الرقبة فإن الاستغفار أنفع حينئذٍ، وغيرَ ذلك من التُرَّهات. ومثلُ هذا الباب قد يُتساهل فيه على الصعيد الشخصي، دون تجارب ومخترعات، ولكنْ مَن انتَفَعَ بدُعَاء ونحوِه فلا حرج عليه أن يُداوم عليه على وجهٍ مُطلق، ولكن لا يصح أن نفتحَ بابَ أن يكون للناس في هذا سُنن، غيرُ السُنة الشرعية، ففلانةٌ جرَّبت كذا، وفلانٌ ينصح بكذا، مما لا كتاب يدل عليه ولا سُنة. وسل أشرطة رسائل الجوال على القنوات الفضائية= تُخبرك عن الكثير من هذه المجرَّبات. وأخيراً أقول في سائر المجرَّبات خصوصاً الأمور الشرعية المعنوية أنَّ ما قد يصلح لبعض الناس قد لا يصلح لآخرين، كما أن بعض الأمراض يكون عَرَضُها الخارجي واحداً، ويصلح لبعض الناس من الدواء ما قد يكون سبباً في هلاك آخرين. فإياك أخي في الله أن تفتح على نفسك وإخوانك باب مهلكة من حيث لا تشعر.
قال الإمام أبو إسماعيل الهروي –رحمه الله-: وَضَلَّ ابنُ المبارك الطريقَ في بعض أسفاره، وكان قد بَلَغَهُ أن من اضطُر في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني- أُعين. قال ابن المُبارك: فجعلت أَطلُبُ الجُزء أنظُر إسناده. قال الهروي: فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرضى إسناده.
وحكم الشيخ المعلمي اليماني –رحمه الله- على حديثٍ بأنه موضوع ثم قال: وقد نازعني فيه رجلٌ في الهند –يعني لما كان مقيماً هناك- وحكى قصة، قال: فقلتُ له: إن الدين لا يثبُتُ بالتجربة، وسَلْ عُبَّاد الأصنام تجدْ عندهم تجاربَ كثيرة.
القاعدة الحاديةَ عشرة: الذكرُ الواردُ بعددٍ محدد لا يُشرع الزيادة فيه على الذِكر الوارد، فإن نسي عدده بنى على اليقين. وذلك مِثلُ الاستغفار بعد الصلوات ثلاثاً، ومِثلُ قراءة المعوِّذات مع النَّفث بها على النفس والجسد ثلاثاً.
القاعدة الثانيةَ عشرة: من أجلّ الذكر وأفضلِه ذِكْرُ الربّ تبارك وتعالى بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة، والثناءِ عليه بما هو أهله، بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى عليه به عبده ورسوله محمّد صلى الله عليه وسلم.
وذكر أسماء الربّ الحسنى وصفاته العظيمة والثناء عليه بها، وتنزيهه سبحانه وتقديسه عمّا لا يليق به تبارك وتعالى نوعان:
أحدهما: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث المشتملة على الحثّ على حمد الله وتكبيره وتسبيحه وحسن الثناء عليه، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((أحبّ الكلام إلى الله بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) متفق عليه، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان للرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) متفق عليه ، ونحو هذه الأحاديث.
وأفضل هذا النوع أجمعُه للثناء وأعمُّه نحو قول: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، فهذا أفضل من مجرّد: سبحان الله.
وكذلك قولُ: الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في السموات والأرض، والحمد لله ملء ما في السموات والأرض، فهذا أفضل من مجرّد قول: الحمد لله. وبكلٍ منهما وردت الأحاديث الصحيحة.
وروى مسلم في صحيحه عن جويرية رضي الله عنها أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بُكرةً حين صلّى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد قلت بعدك أربعَ كلمات ثلاث مرّات لو وُزِنَت بما قلتِ منذُ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته)). فهذا جميعه من ذكر أسماء الرب وصفاته.
والنوع الثاني: هو الخبر عن الربّ تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه من أعمالهم خافية، وهو أرحَمُ بهم من آبائهم وأمّهاتهم وهو على كلِّ شيء قدير، وهو أفرحُ بتوبة عبده من الفاقد راحلتَه، ونحوُ ذلك من الثناء عليه بما هو أهلُه ممّا أثنى به على نفسه، وما أثنى به عليه عبده ورسوله محمّدٌ صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وهذا النوع يندرج تحتَه ثلاثةُ أنواع : حمدٌ وثناءٌ وتمجيدٌ.
فالحمد: الإخبارُ عنه بصفاتِ كماله سبحانه وتعالى مع محبّته والرضى به، فلا يكون المحبّ الساكت- حامدًا، ولا المثني بلا محبّة- حامداً، حتى يجتمع له المحبّة والثناء، فإنْ كرّر المحامد شيئاً بعد شيء كانت ثناء، فإنْ كان المدحُ بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والمُلك كان مجداً.
وقد جمع الله تعالى الأنواع الثلاثة في أوّل سورة الفاتحة، فإذا قال العبد: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال الله: مجّدني عبدي.
القاعدة الثالثةَ عشرة: أن مجالس الحلال والحرام، والتفقُّهِ في كلام الله ورسوله من أفضل مجالس الذِّكر، وبها قيام الدِّين، وأهلها هم أهلُ الله وخاصَّته. ولا يصح أن يُنكر عليهم اشتغالهم بذلك، ودعوى أنهم يشتغلون بالفضول، وهم مع ذلك يحتاجون مع ذكرهم هذا إلى ذِكرٍ يُرطِّب القلوب، ويُشِفُّ الأرواح. ولا مثيل لكتاب الله، فيه الحلال والحرام، وفيه صلاحُ القلوب، وصلاحُ الدنيا والآخرة، وسُنة الهادي البشير صلى الله عليه وسلَّم، تعلم حاله، وتأتسي بهديه. قال عطاء الخراساني: "مجالس الذِّكر: مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ، وتصلي وتصومُ، وتنكحُ وتطلّقُ وتحجُّ وأشباهُ هذا".
وكان أبو السُّوَار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب فقال لهم: قولوا: سبحان الله والحمد لله، فغضب أبو السُّوار، وقال: "ويحَك، في أيِّ شيء كنّا إذًا".
فليست مجالس الذكر مختصّة بالمجالس التي يذكر فيها اسم الرّبّ بالتسبيح والتحميد والتكبير ونحو هذا، بل هي شاملةٌ للمجالس التي يذكر فيها أمرُه ونهيُه وحلالُه وحرامُه، وما يحبُّه ويرضاه، وما يكرهُه ويأباه، بل ربَّما كان هذا الذكر أنفعَ من ذلك (1) .
القاعدة الرابعةَ عشرة: (أذكار الصباح والمساء) من الأذكار والأدعية الراتبة التي وظَّفها الشرعُ الحكيم على المسلم في يومه وليلته، وهي أوسعُ الأذكار المقيَّدة وأكثرُها وروداً في النصوص، حثًّا عليها وترغيباً فيها وذكراً لأنواع كثيرة منها تُقَال في هذين الوقتين الفاضلين. بل تأكَّد الأمر بها بتكرر وروده في القرآن، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} والبُكرةُ: أولُ النهار، والأصيل ما بين العصرِ وغروبِ الشمس.
ويقول تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}، ويقول تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومَحلُّ هذه الأوراد هو الصباحُ الباكرُ من بعد صلاة الصُّبحِ إلى قبل طلوع الشمس، والمساء أو العشي: من بعد صلاة العصر إلى قبل الغروب. وقال بعض العلماء: الأمر في ذلك واسعٌ إن شاء الله فيما لو نسي العبدُ ذلك في وقته أو عَرضَ له عارضٌ فلا بأس أن يأتي بأذكار الصباح بعد طلوع الشمس، وأذكار المساء بعد غروبها، والله أعلم.
القاعدة الخامسةَ عشرة: كلما تواطأ القلب مع اللسان كان ذلك أعظمَ للأجر. ويحصل المقصود ويترتب الأجر إن شاء الله بمجرد الذِّكر باللسان، وفيه للذاكر خيرٌ كثير، ولكنْ كيف إذا تعاون اللفظ مع خشوع القلب، وسكون الأعضاء، وطهارة الظاهر والباطن. ومن تكثير ذكر الله في أعضائك أن تعُدَّ التسبيح بيدك، وتحتسبَ عند الله أجرَك. وقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلَّم يعقد التسبيح بيده، وقال مرةً لجمعٍ من النِّسوة: ((واعقِدن بالأنامل –يعني التسبيح- فإنهن مسؤولات مستنطقات)). أما التسبيح بالمسبحة، فإنه قد وقع فيه خلاف بين أهل العلم في مشروعيَّته، فمنهم من أجازه من باب إجازة الوسائل، ومنهم من حرَّمه تحريم البِدع، ولكنْ مهما قيل في جوازه فإن ذلك مشروطٌ بأنْ يكون وسيلةً لضبط العدِّ، والتذكيرِ بالذِّكر، لا أن تعود الوسيلة غاية والغايةُ وسيلة. فتكون المِسبحة هي الأصل، والتسبيح ربما يكون أو لا يكون.
اللهم اهدنا رشدنا، وقنا شرور أنفسنا، واجعلنا لك ذاكرين، شاكرين، واجعلنا من أهل خشيتك وتقواك يا رب العالمين.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، له الحمد والثناء والمجد والكبرياء، أشهد ألا إله إلا الله الخالق المحيي المميت، فاطرِ السموات، وجاعلِ الملائكة رسلاً أولي أجنحة، مثنى وثلاث ورُباع، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله، وحبيبه وخليله، اللهم ألزمنا سُنَّته، وأوردنا حوضه، وارزقنا مرافقته في جنات النعيم.
أيها المسلمون، الأصل في الذِّكر أنه مطلوب مشروع، ولكنه قد يكون واجباً في بعض الأوقات، وذلك كأذكار الصلوات، وتكبيرة الإحرام، وما يقرأ في الصلاة من القرآن، وقد يكون الذكر محرَّماً، وذلك كذِكْرِ الله حال قضاء الحاجة، أو في وقت خطبة الجمعة، لأن المطلوب حينئذ غير ذلك، وقد يكون عند بعض المخرِّفين مصحوباً بالطبل والرَّقص، والدوران، وهذا ذكرٌ تحضُرُه الشياطين، ويضِلُّ به أصحابُه عن الصراط المستقيم والعياذ بالله. وبعضهم يذكر الله بألفاظ مخترعة، من أعجبها وهو من صور تلعُّب الشيطان ببعض من أراد الخير أنهم يصيحون: الله، الله، الله دون أي تمجيد أو ثناءٍ عليه، والبعض الآخر يصيح: هو، هو يعنون بذلك اللهَ سبحانه وتعالى، وتتعالى بها أصواتهم كهيئة نُباح الكلاب، وهذا أيضاً من المحرمات المستقبحات.
والذكر أحبتي في الله من أجل العبادات وأيسرها، ولا أخفَّ على الإنسان من حركة اللسان، فأَجْرِ ذِكْرَ خالقِك على لسانك تدُلَّ به على صدقِك وحُبِّك، وتُبعدَ بها الشياطين عن نفسك. وقد استوفى ابنُ القيم الكلام على فضائل الذِّكر في مقدِّمة كتابِه الذي وسمه بأنه مطرٌ طيبٌ غزير وجعل اسمه هكذا: الوابلُ الصيِّب ورافعُ الكلم الطيِّب، فانظره تجد فيه عجباً طيِّباً من القول، والفضل.