اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :زوِّج ابنتك لمن يستحقها

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : زوِّج ابنتك لمن يستحقها

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ،  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}


أما بعد، فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.


 


أيها المسلمون، امتنَّ الله تعالى على عباده في كتابه بأنواعٍ من مِنَنِه ونِعَمِه عليهم، ومن أعجب ذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} فَذَكَر سُبحانه من نِعمَتِه على عباده أنه يخلط الماء العذب بالماء المالح في مكانٍ واحدٍ، ويبقى هذا حلوٌ وهذا مالحٌ، ويجعل بينهما برزخاً حاجزاً، كما قال سبحانه: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.


ثم قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}، فَذَكَرَ سبحانه أنه جعل من نوعٍ من الماء بشراً، فأخرج الجامد من المائع، ثم جعل هذا البشَرَ نَسَباً وصِهراً، فجعل له من الوشيجة والقرابة والمودة الشيء الكبير بالأنساب والمناكحات، والعلماءُ يُقرِّرون أن معنى النِّكاح هو الجمعُ والضَمُّ، وبعضُهم يزيدُ على هذا، ويقول النكاح هو التداخل بين الشيئين؛ فسبحان من فَرَق بين البحرين المائعين، وضَمَّ بل وداخل بين الأبناء والأزواج والأصهار، وكان ربُّك قديراً.


أيها المسلمون، ولمَّا كان النِّكاح من سُنَن المُرسلين، وكان خيرُ هذه الأمة مَن كان أكثرُها نساءً صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم، كان النِّكاح من الأمور التي تعتري المُسلم في حياته، ويحتاج أن يأخُذَ لها أُهبتها، فإنْ كان هذا في حق الناكِح مُتَأَكِّدٌ، فكيف يكونُ الشأنُ حينئذٍ في حق المنكوحة؛ التي يُسْلِمُها أبوها إلى من يُسعدُها بإذن الله- أو يُشقيها، قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك)) رواه التِّرمذي وقال: ومعنى قوله: (عوان عندكم) يعني أسرى في يديكم.


 


أيها الأحبة في الله، يُقضى على الناس بأن يكبروا، وأن يتزوجوا، وأن يكون لهم البنين والبنات، وبعض الناس خصوصاً في زماننا هذا لم يجرِّب الأمور، ولم يدرِ وجوه القضايا، ويُفاجأُ وهو في مُقتبلٍ من العُمُر بتقدُّم الخُطَّاب لابنته؛ فَإمّا مُوَفَّقٌ، وإما مخذول. فالمُوَفَّقٌ قائمٌ بالأمانة على وجهها، ناصِحٌ لنفسه ولموليَّتِه شفيقٌ حازمٌ، بخيلٌ كريم. شفيقٌ يُشفق عليها من مغبةِ زواجها، حازمٌ في نظره لها، وحُكمِه على هذا الخاطِب، لا تغُرُّه الأقاويل، ولا يفتتن بالمظاهر، (رجلٌ) يعلمُ كيف يُقلِّبُ الأمور، ويصل للشحم. بخيلٌ بابنته ومُوليَّته يراها ثمرة الفؤاد، وحُشاشة النَّفس فلا يرضى لها إلا كُفأَها، كريمٌ في سبيل ذلك بالسؤال والصَّبر والتأنِّي، وبذل الوجه، والوقت، والمال، لتُؤمنَ العاقبة، وتُورق الحياةُ لهذه البنت بإذن الله-، فلا تَذكُرُه إلا بخير.


وَذَكَر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله- أهله بعد ما ماتت، فترحَّم عليها، وقال: مكثنا عشرين سنةً ما اختلفنا في كَلِمة.


 


أحبتي في الله، كم يُقصِّر المُقصِّرون، ويستعجل المستعجلون عند قدوم الخُطَّاب لهم، وكأن الواحد من هؤلاء ضائقٌ بابنته يريد إلقاءها على ظهر أولِ حامل. ويتعلَّلُ البعضُ (بسذاجة) ببشاشة الوجه، أو بتزكية الوالدين، أو بالجاه أو المنصِب، أو حتى بالالتزام والتديُّن، وهو لم يبذُل النُّصح المطلوب.


وإنَّما وُلِّيَ أمر النِّساء إلى أوليائِهن لما للرجال من الخِبرة بأحوال الرِّجال، وما يُظهروا من شأنهم أو يُضمروه. قال الماوردي رحمه الله: أقربُ أولياء المرأة إليها، وأحقُّهم بنكاحِها- الأب؛ لأنها بعضُه، وهي منه بمثابة نفسِه. ثم أورد حديث النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((فاطمةُ بَضعةٌ مني)) وفي لفظٍ: ((إنما ابنتي بَضعةٌ مني يَريبني ما رابها)) متفق عليه. قال: ولأن الأب أكثرُ العَصَبات شَفَقَةً وحُباً، وأعظمُهم رفقاً وحُنُوَّاً، فصار بها أمَسُّ، وبطلب الحظِّ لها أخص[1].


وقال أبو محمد المقدسي: ولأن الأب أكملُ نَظَراً، وأَشَدُّ شَفَقةً فَوَجَبَ تقديمُه في الولاية[2].


 


ولن أتكلَّم اليوم عن نوعٍ من البَشَر انتزع الله من قلوبهم الرحمة والشَّفقة، وجعلهم كواسرَ بل الكواسرُ منهم أرحمُ، يَعضُلُ ابنته أو أُخته أو غيرها ممن وُليَ عليها من النِّساء لمصلحةِ نفسه، أو لمفاهيم متحَجِّرة، يراعي كمالياتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، ويحطِمُ لأجلها قلبَ وحياةَ من وُليَ شأنه من إنسان. فما أشبهه بمن أدخل سيارة شاحنة عظيمةً إلى داخل داره فَكَسَر الباب، والأرضيات والنوافذ، من أجل أن يُغيِّر سُجاداً أو يضع ستارة. فهؤلاء وإن كانوا أشبهَ شيءٍ بالبَشَر في ظواهرهم، فإن تصرفاتهم تفضحُهم، وتُبرِّئُ البشرَ مِن مثل فِعالهم، فالله حسيبهم، وعند الله مظالمُهم، في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، ولعل الله أن يُيَسِّر لهذا الأمر حديثاً مُستقلا.


ولكن حديثنا اليوم عن أخذِ الجد للأمر الجِد، والتحوُّطِ في الأمر شديد الخَطر، واستفراغِ الوُسع في خُطوة لا يُتراجع عنها إلا بالآلام، والجراحات، وخراب البيوت، والعياذ بالله.  قال القرافي: من ولي ولايةَ النِّكاح أو غيرِه فلا يجوز له التصرُّف بالتشهي إجماعاً، بل تجبُ مراعاةُ مصلحة المُوَلَّى عليها، حيثُ كانت[3].


أخي في الله، إذا تَقَدَّم لك الرجُل يخطُبُ موليَّتك فإن عليك أمانةً عظيمة، هي أمانةُ الله إذ يقول رسول الله: ((كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته))، وعليك مسؤوليةُ وُثُوق البنتِ بِك، فإنَّ الله قد جَعَلَ في نفوس البنات حياء وقلة معرفةٍ بما وراء الظواهر، فتجد الكثيرات يقُلن لآبائهن: قد فوَّضت أمري إليك، فإن شئتَ فأمسِك، وإن شئتَ فأرسِل، وهذا يزيدك فوق المسؤولية مسؤولية.


 


وقبل أن أتكلَّم عما ينبغي أن يُهتم به وأن يُسأل عنه، وعن التعامل مع الخاطب أقول: إن بعض الناس قد يفعل ما لا ينبغي تساهلاً، وجرياً على بعض العادات، أو لعدم تقدير عواقب الأمور. وهذا نطمعُ في خطبتنا هذه إلى تنبيهه. والبعضُ الآخرُ يفعلُه لعدم الخبرة، ولقِلَّة الحيلة، وهذا لعلنا أن نُرشده بعون المولى تعالى إلى بعض الوسائل، والطرق التي تُؤمِّن من بعض العواقب بإذن الله- وهو أمرٌ أغلبي، إذ لا يعلم الغيبَ وعاقبةَ الأمور إلا الله، ولكنَّ من بَذَلَ جُهده، واستفرغ وُسعَه ثم حصل ما لم يكن له بالحسبان- هذا يكون قد أدى أمانته، ونصح لابنته، وبلغ من الجُهد ما يعذر نفسه، وتعذره ابنتُه معه إن شاء الله.


 


ثم اعلموا رحمكم الله- أن السؤال ينبغي أن يكون قبل الموافقة على الخِطبة التي يتقدم بها الخاطب، فيُستمهل عند تَقَدُّمه، ويُسأل هو بعضَ الأسئلة تكون مفاتيح للتعرُّف عليه، ويُطلبُ منه أيضاً أسماءَ أشخاصٍ يعرفونه يُمكن لأهل المخطوبة أن يسألوهم عنه. ولا مكان للحياء هاهنا فإن مِن (الضعف والحياء) مهانة، وإنَّ من تقَدَّم لك ليدخل بيتك، وينكح ابنتك، ويرى زوجَك، ويكون أباً لأحفادك ولم يستحيي من ذلك لحريٌ أن يكون التعامل معه بحجم طلبه، وهو يطلب الكثير الكبير، وعليه فالقرار يجب أن يكون أيضاً قراراً قد بُذل فيه الجُهدُ الكبير، واجتُرئ فيه على بعض ما قد يُستحيى منه.


وتلي هذه الخُطوة خُطوات، ولكن قبل الإفاضة فيها أرى أن من المهمِ التنبيهَ على أنَّ فترة الخِطبة هي أيضاً مجالٌ للتعرُّف على الشاب في دينه وأخلاقه وعاداته، وأنه بعد وعده بالزواج وهي الخطبة فإنما الخِطبةُ وعدٌ بالزواج- يحق لأهل الزوجة أن يرجعوا عن رأيهم إن بدا لهم في ذلك رأيٌ، أو وجدوا من هُوَ خيرٌ منه، وإنْ كان لا يجوز للمسلم أن يخطِبَ على خِطبة أخيه، ولكنْ إن لم يعلم الخاطبُ الثاني بوجود خاطبٍ قبله، أو وجدوا - هم من يخطبونه لابنتهم فكان خيراً من الأول، فلا عليهم من أن يختاروا لابنتهم ما يكون أفضلَ وأحسنَ لها، إن شاء الله. وقد ذكر الله في محكم كتابه: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}، وخطـب عُمرُ عُثـمانَ وأبـا بكرٍ لابنته حفصةَ قبل أن يتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. وهو والله إن واتت الفُرصة، وأُحسن الظنُّ، وانتفت النقيصة= خيرٌ من أن تُترك ليأتيها من يصلح ومن لا يصلُح. فإن لم يكن الأمرُ كذلك، ولم يُفهم الأمرُ على وجهه، فلا أقلَّ من تجويد الاختيار وبذل الجُهد في الاستفسار بقدر المستطاع، وعلى الله التُّكلان.


 


أيها المسلمون، وإن من الأمور التي ينبغي مراعاتها في الخاطب الذي يُريد التزويج- دينُه، فإن الدين هو الأساس، وبقية الخصال تبعٌ له، ولأجل الدين حرَّم الله المُسلمة على كل غير مُسلمٍ كتابيٍ كان أو غير كتابي، وإنَّ صاحب الدِّين القويم كما قال العلماء: إن أحبَّ ابنتك أكرمها، وإن لم يحبها لم يُهِنها. فإن تقوى الله تحجز العبد عن ظلم نفسه، وظُلمِ الآخرين.


وهاهنا لا بد من الإشارة إلى قضيتين مهمتين:


الأولى منهما: أن بعضَ من ظاهرُه التديُّن من الناس قد لا يكون الدِّين الذي يتديَّنُ به راسخاً في نفسه، فبعضُهم له وجهان، وبعضُهم قد أخَذ بجانبٍ من الدِّين دون جوانب أُخرى، ولذا لا تستغرب أن يكون من الناس من هو قارئٌ للقرآن ظالمٌ لأهله، أو من هو متلبِّسٌ بعض الوظائف الدينية ولا يضعُ العصا عن عاتقه. وهذا وإن كان فيهم أقل، ولكنْ من المهم أن يُعلم أن الأخلاق من دين الرجل، وأن نقص أخلاقِهِ نقصٌ في دينه، ومن المُهم أن يُعلم كذلك أن مظهر التديُّن إذا لم يَصَحَبْه أخذُ الدِّين، وتقوى الله، وتعظيمُ الحُرُمات فقد يكون مصيدةً يغترُّ بها بعضُ الناس، سواءً أَقَصَدَ ذلك الخاطبُ أم لم يقصِدْهُ. ومن هذا الباب كذلك وجوبُ الحذر ممن تديَّن ببدعةٍ من البدع الغليظة كالرَّفض والتصوُّف وأشباهها، فإن مثل هذا لا يزيده تديُّنه من الله إلا بُعداً، يظنُّ أنه على صواب، وما هو على صواب، وبعض الناس قد صار له من حفدته رافضةٌ أو مُخرِّفة أو زنادقة، مِن بيوت كانت أبعد ما تكون عن مثل هذه الأمور. قال الإمام أحمد: لا يُزوِّج ابنته مِن حروريٍ مَرَق من الدِّين، ولا من الرافضي، ولا من القدري، فإذا كان لا يدعو؛ فلا بأس[4].


القضيةُ الثانية: أن من الدِّين قدراً لا يجوز أبداً- التساهل فيه معه الخاطب مثل صلاته، فلا خير فيمن لا يصلي، ومثل تجنُّبِه للخمر والمُسكرات والمُخدِّرات، ومثل كثرة السفر، فإنه قد عُلم أن كثيراً ممن يُكثر السَّفر عَزَبَاً أنه يكون ممن يرتاد أماكن الخنى والفجور، فمثل هذا لا يسوغ بحال أن تغُش ابنتك به. ومن الدِّين أُمورٌ يَحسُنُ الأخذ بها، وإن كانت في التأكيد أقل من الأمور التي قبلها، كأن يكون مدخِّناً، أو أن يكون ممن يتلبس ببعض المعاصي، ونحو ذلك. ولا يمنعُنا حثُّنا على ذي الدين والتقوى من أن نقول: ينبغي أن يُراعى في ذلك من تصلح معه الزوجة، ويُظن استمرارُ العيش بينهم، فإن كانت ابنتُه متوسِّطة في تديُّنِها وغلب على ظنِّه عدمُ تأثير الزوج فيها للأفضل فيكون حينئذٍ تزويجُها ممن يفوقها في التديُّن كثيراً سبباً للشقاق، والمُشكلات، والله المُستعان.


قال أبو المليح: جاء رجلٌ إلى ميمون ابن مِهران يخطُبُ ابنته، فقال: لا أرضاها لك. قال الرجُلُ: ولِمَ؟ قال: لأنها تُحِبُّ الحُلِيَّ والحُلَل. قال: فعندي من هذا ما تُريد. فقال له: الآن لا أرضاك لها[5].


ومرة أُخرى أقول: إن هذا بشرط أن يحقِّقَ -على الأقلِّ- القدرَ الأقلَّ مِن التديُّن، فإن لم يتحقق ذلك فلا ولا كرامة.


 


ومما ينبغي أن يُعتنى بشأن السؤال عنه عن الخاطب: السؤالُ عن أخلاقه، وعن طباعه، وعن معشره هل هو سريع الغضب، تثور ثائرته في إشارات المرور، وطوابير الانتظار؟ هل هو بخيلٌ مُقتِّرٌ على نفسه، بحيث يُظَنُّ أن يُقتِّر على ابنتك وأولادها في المستقبل، أم أنه مُضَيِّعٌ لا يستقر بيده ريالٌ، ولا ينتصف الشهر إلا وقد نفِدَ ما بيده؟. هل كسول، هل هو عجول؟، ونحوُ ذلك.


 


وينبغي أن يُسأل كذلك عن نظرته وتفكيره في بعض القضايا، فيُسأل عن نظرته للنساء، وهل هو من جماعة: (الحرمة أكرمكم الله)، وكيف يُعامل أُمَّه وأخواته. وينبغي أيضاً أن يُسأل عن اتِّزانه النفسي والعاطفي، فبعضُ الناس شكَّاكٌ تنقلبُ الحياةُ معه إلى جحيم، وبعضُهم مُصابٌ بداء العَظَمة، وبعضُهم لا يمكن أن يعترف بخطأ ولا يتراجع عن موقف.


أهذا حقٌ إخواني في الله أم ليس كذلك؟ ألا تعرف أنتَ أصنافاً من الناس من هذه الأنواع، هل يُسعدك غداً أَنْ قصَّرتَ في بعض ما تستطيع؛ أن يكونَ أكيلَك وجليسَك، بل ربما حفظني الله وإياكم وحفظنا لنا من نُحب- أن يكونَ خصيمَك في المحاكم، ومُنغِصَ حياتك في أغلى ما تملك. نعم قد يكون هذا، ولعِظَم الخطر، وجَب أن يعظُم الحذر.


 


ومن بر الأب بابنته إنْ كانت عاقلة متميِّزة أن يطلُب لها العاقلَ الذي يناسبُها في عقلها، ويعرفُ أن يتعامل معها. وكما أن الرجال يُعجبهم من المرأة شكلَها ويسألون عن جمالها، ويُشرع لهم أن ينظروا إلى المخطوبة قبل الخِطبة، فإنَّ البنت تشتهي من ذلك ما لا عيب عليها فيه، وقد روى سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تُكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح؛ فإنهن يُحببن ما تُحِبُّون.


ومن أدب ذلك أن يُيَسِّرَه لها، وأن يستشيرها ويأخذ رأيها، وأن يأخذ كذلك رأي أمِّها. قال أبو محمد المقدسي: ولا نعلم خلافاً في استحباب استئذانها يعني البنت- فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر به ، ونهى عن النِّكاح بدونه، وأقلُّ أحواله الاستحباب، ولأنه فيه تطييبُ قلبِها... ويُستحب استئذانُ المرأةِ في تزويج ابنتها...؛ لأنها تُشاركُه في النَّظر لابنتها، وتحصيلِ المصلحةِ لها؛ لشفقتِها عليها. وفي استئذانها تطييبٌ لقلبها، وإرضاءٌ لها؛ فيكون أولى[6]. اهـ


 


ومما يحسُنُ أن يُسألَ عنه كذلك أهلُه ووالديه، وطريقةُ تعامُلِهما مع زوجات أبنائهم، ويُمكن أن يُسأل عن هذا أرحامُهم وأصهارُهم.


ويُسألُ كذلك عن وضعه المادي، ومدى مَلاءته وملائمته، فإن الفقير وإنْ كان كفؤا للغنية، إلا أنها قد لا يطيب عيشُها معه، وينبغي أن يُراعى في ذلك التوسُّطُ.


ويُمكن أن يُسأل أيضاً عن طبيعة قضائه لوقته في الإجازات وفي الأيام الاعتيادية؛ فإن في ذلك بعضَ المؤشِرات لصلاحه، ولتعامله مع الأمور.


اللهم صلِّ على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



 


الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويما، وهدانا صراطاً مستقيما، وجعلنا من أُمة خير أنبيائه ورُسُله، أشهد إلا إله إلا الله الملك القدوس السلام، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسوله خير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم.


ليس المقصود مما ذكرنا إعنات الناس، وتعسير أمورُ زواج الشباب، ولكن المُراد أن يكون الناسُ أكثر وعياً، وأملك بالمعلومة الصحيحة، فإن امتلكوها، ووزنوها بوزنها الصحيح، اتخذوا قرارهم على بصيرةٍ من أمرهم، وبحسب حالهم وظرفهم. ولكن المشكلة عند الكثيرين أن هناك أمور لا تتكشَّف إلا بعد الزواج، وبعضها من الوضوح بحيث ينكشف بعد الزواج بليالٍ قليلة، وبعضُها يُعلمُ بعد هذا، فيكون المرء وموليَّتَه أسرى لأمور لو علموها لما رضوا بأن يدخلوا تحت طائلتها.


ومن الآليات التي ينبغي أن يُستخبر بها عن الرجل، وتُستجلى بها حالُه وأخبارُه، اللقاء معه، وليكن المرء لذلك اللقاء مستعداً، حضِّر له يا أخي- اسأل واستشر قبل أن تلتقي بهذا الشاب؛ كيف تتكلَّم معه، على ماذا تُركِّز من حديثه؟ ما هي النقاط التي تطرحها معه؟ ولا بأس من سؤاله كذلك بعضَ الأسئلة المباشرة، عن تعليمه، وعمله، وإخوته، وأصدقائه، وعن الأشخاص الذين يُمكن سؤالهم عنه، ويُمكن أن يُسأل عن طموحاته، وعن أهدافه المستقبلية، وعن مشاركاته إن كان له مشاركات في الشأن العام، وبمثل هذه الأمور وإن كان بعضها ليس مقصوداً لذاته، ولكن من طريق الحديث حولها- يستكشف ذو الفطنة بعض ما تمس الحاجةُ إلى معرفته.


ومنها كذلك أن يُسأل عنه إمام المسجد القريب من سكنه أو عمله إن كان من أصحاب الأعمال المسائية، فإن أئمة المساجد يعلمون من أفراد أهل الحي أكثر مما يعلمه غيرهم، ويطلعون على بعض أسرار البيوت، وأحوال الناس ما لا يطلع عليه من سواهم، فلعلك بسؤالك لإمام المسجد أن تعلم مقدار حرصه على الصلاة، وأن تعلم ذلك بعضاً من أخباره الحسنة أو السيئة.


ومنها كذلك أن يُسأل عن الرجل أصدقاؤه وأنسباؤه فإنهم به أخبر، ويُسألُ عنه كذلك زملاؤه في العمل، ورؤساؤه فيه، فإنهم يطلعون على تغيباته، وعلى جديَّته في أخذه للأمور. ويُسأل كذلك عن دراسته وكليته أو مدرسته، مع معرفة التخصص، فإنه عن طريق هذه الوسيلة يُمكن الوصول إلى عشرات الناس ممن عرفوه، وعاشروه سواءً أكانوا من أصدقائه المقرَّبين أم ممن عرفه ولو لم يصادقه.


 


وأختم أحبتي في الله بالتنبيه أنه ليس من المقصود من مثل هذا الحديث البحث عن عورات الناس وتتبع أخطائهم؛ فكلُّنا ذو خطأ، ولكن الفرق ظاهر بين الخطأ الجزئي، وبين الخُلُق المتأصِّل، وبين الشيء النزر اليسير والموبقات من الأمور. فلتحرص على تجنُّب الهوى، والبحثِ على الحقيقة الكاملة كما هي، سواء أكنت تُحب أن تزوَّجه أم لم تحب ذلك. اعتبر الحسنات والسيئات، والمادح والقادح، ثم ضع الكلام كله على المحك، واستخر ربَّك، وكرِّر الدعاء بأن يوفق الله ابنتك أو أُختك لمن يُسعدها، وحينئذ تكون قد أدَّيت ما عليك.


وكذلك إذا استبان وجهُ الأمر، وترجَّحت المصلحةُ؛ فلا خير في التردد، وكثرة التشكُّك، بل التأَخُّر عندها لأجل الاحتمالات والشكوك من عمل الشيطان، فالحزم الحزم، والمبادرة المبادرة، والفرصة لا تُواتي في كل يوم، والله لا يُضيع أجر من أحسن عملا.


 








[1] الحاوي: 9/ 91 .



[2] المغني: 9/ 356 .


[3] الذخيرة: 4/ 253 .


[4] المغني: 9/ 397 .


[5]  نزهة الفضلاء: 1/ 470 .


[6]  المغني: 9/ 405 .

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 5 /5 ( 2 صوت )

تاريخ الاضافة: 18-04-2009

الزوار: 1196

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
قواعد شرعية في ذكر الله تعالى
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
قتل المرتد.. شريعة لازمة
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات-خـطبة الجمعة مكتوبة
دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي-خـطبة الجمعة مكتوبة
هيكل سليمان.. أكذوبة الزمان-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :30409
[يتصفح الموقع حالياً [ 13
الاعضاء :0 الزوار :13
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3