الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، يأخذ بالحق، ويُعطي العدل، ويدعو إلى سواء السبيل، سبحانه وبحمده وهو الحكيم الخبير.
أشهد ألا إله إلا الله إلهاً حكيماً عظيماً، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه، ومُصطفاه وخليلُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
أيها المسلمون، اعلموا أن خير الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسن الهَدي هديُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة.
أحبتي في الله، جعل الله دنياكم هذه دار ابتلاء وامتحان، وابتلى فيها بعضكم ببعض، ابتلى الغني بالفقير، وابتلى المسلم بالكافر، وابتلى القادر بالعاجز، وابتلى العظيم بالحقير، وابتلى المسؤول بمن تحت مسؤوليته، وابتلى ولاة الأمور بمصالح الرعية.
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}الأنعام53
ومن هذا الباب تجد أن مصالح الناس لا بُدَّ فيها ممن يقوم عليها منهم، ولا بُدَّ لهذا الذي يقوم بهذه الأمور أن يكون قيِّماً بها، قادراً على القيام بأعبائها، وهؤلاء في الناس قليل. فهل يا تُرى جفل الناس عن المناصب والمسؤوليات وتدافعوها، أم هل يا تُرى لما تكالبوا عليها إنما تنازع في ذلك أهلُ القدرة والإخلاص؟؟ واقعُ الناس يقول غير ذلك، إنما يتنافسوها طلباً للشرف، وللرياسة، ولمآرب أُخرى.
قال الشافعي رحمه الله عن الدنيا:
وما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ عليها كلابٌ همُّهُن اجتذابُها
فإنْ تجتنبها كُنتَ سِلماً لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها
وقول الله أصدق: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}الأحزاب72.
نعم فقد كان دأَبُ كثيرٍ من طُلاب الآخرة اجتناب تحمُّل هذه المسؤوليات إلا إن تعيَّنَت عليه، وأُلزم بذلك، ولا يُحصى في تاريخ المسلمين مَن رفَض تولي القضاء، ومن نازع وجاهد ليَدفع المسؤولية عنه نفسه. فإذا جاءتك المسؤوليةُ وأنت هاضمٌ لنفسِك، رافضٌ لها أُعنتَ عليها، وإن جاءتكَ وأنت طامعٌ فيها، ومبتغٍ لها كل وسيلةٍ حلالاً كانت أو حراماً وُكِلتَ إلى نفسِك، ولم يُعنكَ عليها ربُّك.
عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها) متفق عليه.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) رواه البخاري.
ولما جاء أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم، قال العلماء: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية.
فإذا وفَّق الله العبد وأعانه على القيام بمصالح هذه المسؤولية الدينية والدنيوية، وقام فيها بحق الله، وبحقوق خلقه، وسدَّد وقارب فأنعِم به وأكرِم. وإنْ أخذها أشراً وبطراً ورئاء الناس، وصدَّ فيها أو بها عن سبيل الله، فنِعمَت المُرضعة يعني في أولها لأن معها المال والجاه واللذات الحسية والوهمية، وبئست الفاطمة يعني في آخرِها لأنَّ معها العزل، والمطالبة بالتبِعات يوم القيامة.
أيها المسلمون، وإنَّ من أعظم مسؤوليات حكام المسلمين المحافظةُ على أسباب بقائهم الديني والحسي، ولذا فهم من أول من تُوجَّه إليهم المخاطبةُ بالحفاظ على المقاصد الضرورية الخمس؛ من الدين والنفس والعِرض والعقلِ والمال. فدينُ الناس وعقولهم هذا جانبٌ من الأمن الفكري، وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم هذا من جانب الأمن الحسي، وليس القيام بواحدٍ من هذين الجانبين مغنٍ عن القيام بالجانب الآخر. فإذا كنا نريد أُلفةً ومحبة بين المسؤول والمواطن، وبين الحاكم والمحكوم، فلا بُد أن يقوم كُلاً منهم بواجباته كما أمره الله. أن يسهر المسؤول على مصلحة الرعية فتُبادلُه الرعية حُباً بحب، وبذلاً وتفانٍ ببذل وإخلاص. وأما أن يكون أحدُ الجانبين لا يكون منه إلا التقصير والاستئثار بحظوظ النفوس وشهواتها، وتضييع حقوق الناس؛ ثُم هو يريد من الطرف الآخر أن يكون في غاية الحُب والإخلاص والتفاني... فهذه علاقةٌ لم يخلقها الله عز وجل، ولم يجعل في فطرة الناس التي فطرهم عليها أن مثل ذلك يكون. وأي شيء يرجوه وتنشرحُ نفسُه ببذله وهو لا يأمن على نفسه. أما والله إنها لصلاح العاجل والآجل، والدنيا والآخرة، قال الله تعالى حاكياً قول إحدى الفتاتين اللتين سقى لهما موسى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
عباد الله، وكما أن واجب المسؤول القيام بما أمر الله، فإن واجب الناس: الصِدقُ والنُّصحُ له، فيما أحبَّ وكَرِهَ، وفيما رضي وسخِط، فالدين النصيحة ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً: يَرْضَى لكم أنْ تعبُدُوه ولا تُشْرِكوا به شيئاً، وأنْ تعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تفرَّقوا، وأنْ تُناصِحُوا مَنْ وَلاّه الله أمركم)). وفي المسند وغيره عن جُبير بنِ مطعم: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في خُطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى: ((ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ امرئ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاةِ الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين))، وفي نفس الوقت فالواجب هو معاونتهم على ما قاموا به، ومن ذلك إحسانُ الظنِّ بهم، وتذكيرهم بالخير، وسلوك أقرب الطُّرق لإصلاحهم، إذ به صلاح المسلمين، ومن ذلك الدعاء لهم بالتوفيق والمعونة على ما ابتلاهم الله به، لا تستقيم أمور الناس إلا بذلك. ولا يقدر مسؤول على أداء عملِه في جو من عدم الثقة، أو من الانشغال بدسائس مرؤوسيه؛ ففي مثل هذه الأجواء الموبوءة ينشغل كلٌ بنفسه، وتكون الضحية هي المصلحةُ العامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عباد الله، وإذا نزلت المصائب العظيمة بالناس، مما هي قضاءُ الله وقدرُه، فليس للعبد إلا الرضا بأمرِ الله والتسليم له، فمن منازل الإيمان: الصبر على أقدار الله المؤلمة، وكم ذا أصابت الناس الجوائح في كل زمانٍ ومكان، وكم ذا أهلك الله بها من الحرث والنسل ابتلاءً أو عقوبةً بحسب الحال، وبحسب من نزل بهم الابتلاء. ولكنها في الوقت نفسه كاشفاتٌ للعباد عن مستوى الاستعداد، وحُسن قيام أهل الأمانات بأماناتهم، فإذا تكشَّفت عن تقصيرٍ وإهمال، أو أظهرت لنا مخبآت من نتاج عقود الباطن، والرُّشا، والتزوير، وممالئة قومٍ على حساب آخرين، وتمكينٍ لبعض الأغنياء من رقاب الفقراء وأرواحهم، فحينها والله تعظُمُ البلية، ويجب على ولي الأمر أن يقوم بواجبه، فمن يحكم بين الناس ويقوم بينهم إنما يحكمُ بأمره، ويُنفذُ قراراتِه باسمه، وهو ما لا يجوز أن يُسكت عليه. ومن التقاليد المعروفة عالمياً في هذه الأيام، وهو من التقاليد الحسنة أن مَن عجز عن القيام بمسؤوليته، أو حدَثَ خلال تولِّيه لها كارثةٌ أو فاجعةٌ لم تقم إدارتُه فيها القيام اللائق بها= أنه يُقدِّم استقالته، ويستعفي من منصبه ففي البلد مَن هو خيرٌ من هذا الولد، وهو قد قدَّم ما يستطيع فلما فشل في مصلحة الناس مرة فلا ينبغي له أن يستمر في تجريب نفسه على مصالحهم وأرواحهم مرةً، ومرةً، ومرة. ولو لم يطلب منه مسؤولوه تلك الاستقالة. أما إذا ثبت الفساد؛ فما غير المحاكمة العادلة، وينال المُفسدُ الفاسدُ جزاءه، ولو كان من كان. فما لقومي لا يعرفون من الديمقراطية إلا حرية الفجور وكشف المستور، فإذا جئنا عند مقاطع الحقوق كانوا أهل استبداد ودكتاتورية، لا أشد منها إلا دكتاتورية مَن قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}غافر29.
وفي الوقت نفسه عند حلول النَّكبات العامة؛ لا بُد من مراجعة النفس ومحاسبتها، وقد والله رأينا في النكبة الأخيرة من المقاطع والمشاهد ما هو مُنذرٌ بغضبٍ من الجبار جل جلاله، ومَن شهد تلكم الوقائع كانوا أفقه من كثيرٍ من كتاب الصُّحُف، أو رواد الملاهي والمقاهي حيث تسمعهم يستغفرون، وإلى الله يفرون، ويهللون، ويكبرون. أحبتي في الله، إن المصيبة إذا نزلت، ومكر الله إذا جاء قد يستأصل الأول والآخِر، وقد يُرسل تعالى بين يدي ذلك محذِّرات ومُنذرات، وفي الوقت نفسه، قد تأخذ المصيبة بكلكلها مَن ليس من أهل المُنكر، ولكلِّ مُصاب حكمةٌ لله في إصابتِه بما أصابه، فمنهم من أخذه الله نكالاً وعقوبة ولو لم نعلم ذنبه، ومنهم مَن أخذه الله اصطفاءً واختياراً ورِفعةً لدرجته، ونحن لا نعلم هذا من هذا، ولكنَّا نرجو الخير للمحسنين، ونخاف العذاب على المقصِّرين. ولكن تظل الكارثة فيها معتبراً لمن ألقى السمع وهو شهيد، تبقى أنها تذكر بالله من كان ناسياً، وتُري الخلق من قُدرة الله ما لا يخطر لهم على بال. نسأل الله أن يرينا من دلائل قدرته ما نزداد به عافية وإيماناً، ويقيناً واطمئناناً.
وقد ذكر بعض أهل العلم أموراً تُعين المُصاب على تحمُّل المصيبة وتجرُّع مرارتها، ومن ذلك ما سطره يراع العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله، فمن ذلك:
أولها: شهود جزائها وثوابها عند الله.
الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها وأنها مقدَّرةٌ في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلا بد منها؛ فَجَزَعُه لا يزيده إلا بلاء.
الرابع: شهودُه حق الله عليه في تلك البلوى. وواجبُه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه، وصارت المصيبةُ مصيبتان.
الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} فهذا عامٌ في كل مصيبة دقيقةٍ وجليلةٍ، فَيُشغُله شهوده لهذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة. قال العباس بن عبد المطلب، وغيرُه: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.
السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه.
السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي داء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلا.
الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الداء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره قال تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقال الله تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وفي مثل هذا القائل:
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا فإن ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وألبسه ملا بس الفضل وجعل أولياءه وحزبه خدما له وعونا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرد وصُفع قفاه وأُقصي وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعما عديدة. وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبرُ ساعة، وتشجيعُ القلب في تلك الساعة، والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان لأن ذلك تقدير العزيز العليم وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء فيستخرج منه عبوديتَه في جميع الأحوال فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحبُ العبدَ ويبلِّغُه منازل المؤمنين.
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء فإن قويت أثمرت الرضا والشكر فنسأل الله أن يسترنا بعافيته ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأشهد أن سيد الثقلين، وأبر المخلوقين محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه فاشتد عليه حتى قال: أُحرِّجُ عليك إلا قضيتني. فانتهره أصحابه فقالوا: ويحك تدري من تكلم. فقال: إني أطلب حقي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا مع صاحب الحق كنتم. ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك فقالت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فاقترضه فقضى الأعرابي وأطعمه فقال أوفيت أوفى الله لك فقال أولئك خيار الناس إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع. رواه ابنُ ماجه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلَّم مثل هذا الكلام في مناسبةٍ أُخرى، فعن أبي الزبير عن جابر قال: لما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر قال ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة قال فتية منهم بلى يا رسول الله بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم. رواه ابن ماجه وابنُ حبان، وقال الشيخ الألباني : حسن.
ولنا مع حدث جدة الوقفات التالية:
أولاً: إن الأمطار والسيول التي حدثت بمدينة جدة قد تتكرر في أي بقعة من هذه البلاد الطيبة، وهو يُلقي بالمسؤولية على كل مَن تحمَّل شيئاً منها، من الجهات المدنية والعسكرية، وأرواحُ الناس آخر ما يُخاطرُ به؛ وعليه فالواجب أن تكون الاستعدادات تامة لأي حدث مثل ذلك الحدث، ولو كانت نسبة حدوثه واحد في الألف.
وإذا كانت أنفاق الدمام عندنا تكون ممتلئة طوال العام ماءً؛ فكيف يكون الحال لو دهمتنا أمطار مثل أمطار جدة الأخيرة!!
ثانياً: إن أخذ الله تعالى إذا شاء= أليمٌ شديد، وإن عقوبتَه تعلى إذا نزلت تكون مفجعةً بل قاضية، وليس ما رأينا إلا نذيراً من نُذُره تعالى. ألم تروا يا رعاكم الله، كيف فعل الماءُ بهذه المدينة الساحلية وهو إنما أتاهم من جهة البر؛ فكيف لو أنه أتاهم من جهة البحر، والله قادرٌ، ولكنه رؤوف بعباده رحيمٌ بهم، لطيفٌ لما يشاء. فالواجب على أهل هذه المدينة التي يسكنها صلحاءُ وفضلاءُ وسابقون ومقتصدون ومقصرون لأنفسهم ظالمون= الواجب عليهم أن يأخذوا على أيدي أهل الشر والفساد، وأن يعلموا أن أهل المنتديات الاقتصادية، والفرق الكروية النسائية، والمنكرات العظيمة إنما هم سببٌ رئيسٌ من أسباب بلائهم الذي نزل بهم، والله المستعان على مكرهم، وإفسادهم.
ثالثاً: ليس في العجلة خيرٌ أبداً، وقد يكون من المستعجل الزللُ، ونحن أمام مثل هذه الكارثة يجب علينا أن نتدارك بعض ما وقع، وأن نسارع بإزالة أسبابه، وأن نطالب بالمحاكمة الواضحة الصريحة التي تأخذ على يد المفسدين. ولكنَّا ليس بمقدورنا، أن نُصدر الأحكام الصحيحة إذا لم نمتلك المعلومات والأدلة الصحيحة؛ وعليه فاستعجال بعض الناس بالتهمة العلنية لفلانٍ أو فلانٍ من الناس غالباً ما تكون من القول بغير علم، وهو خطير، وأعراض الناس حُفرةٌ من حُفر النيران لا يجوز لمؤمن أن يخوض فيها بغير برهانٍ ساطع ناصع. وقد يلتبس على بعض الناس فيرى من كان مساهماً في إطفاء الحريق فيظنه هو من أشعل الحريق، ولو تمهَّل لما أساء إلى من أحسن، والله المستعان.
رابعاً: البِر والتكاتف من أخلاق المؤمنين، والناس مندوبون في مثل هذه الأحوال إلى التعاون، وبذل الفضل، والمواساة بالمال، والبدن، والمسكن، والكلمة الطيبة، وبالتعاون على إزالة آثار ما حل بالناس من آثار الكارثة، عسى الله أن يرحمنا برحمته، وأن يلطف بعباده، وأن يجعلنا من أسباب لطفه بعباده.