اخر الاخبار

 

جديد الموقع

عرض الخطبة :الحكماء

  الصفحة الرئيسية » خـطبة الجمعة مكتوبة

اسم الخطبة : الحكماء

كاتب الخطبة: الشيخ حسن البار

الحمد لله الحكيم الخبير، السميع البصير، العزيز القدير، العليمِ بذات الصدور، شرح صدور أهل الهدى لهدايته، وأعانهم على أنفسهم وشياطينهم بتوفيقه ومعونته، وأضلَّ كل غويٍ عن سبيل هدايته وسعادته، بما سلف منه من أسباب شقاوته، وما ربُّك بغافلٍ عما يعملون.


أشهد ألا إله إلا الله الأحدُ الصَّمدُ، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه، نبيُّنا الأسعد، ورسولُنا الأرشد، وهادينا إلى صراط الله الأسدّ، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحابته، ومن تبعهم على طريقهم إلى يوم الدين.


أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.


 


أيها المؤمنون، إنَّ من أَجَلِّ النِّعَم والمواهب أن يُرزق العبدُ الإيمانَ والعلمَ والحكمةَ. والإيمانُ والعلمُ قد عُلِم مكانُهما، وأما الحكمةُ فهي ما نوَّه الجليل الحكيم بمقدارها قائلاً: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} يقول: يعطى صفةَ الحِكمة من إصابةِ الحقِّ في القولِ والعملِ مَن يشاء مِن عباده، ومن أُعْطِىَ ذلك فقد نال خيراً كثيراً لأن به انتظامَ أمرِ الدنيا والآخرة ، وما يَنْتَفِعُ بالعظة والاعتبارِ بأعمال القرآن إلا ذوو العقولِ السليمة التي تُدرك الحقائق من غير طُغيان الأهواء الفاسدة .


 


ومما ذكر أهل التفسير من معاني الحكمة في هذا الموضع أنها: العلمُ بالقرآن ومعانِيِهِ، وقال بعضُهم: الحِكمة: الإصابةُ في القول. وقال أبو العالية: الحِكمةُ: خشيةُ الله، وقال في روايةٍ أُخرى عنه: الحكمةُ: الكتابُ والفهم. وعن زيد بن أسلم: الحكمةُ: العقلُ. وقال الإمامُ مالك: وإنه ليقع في قلبي أنَّ الحكمة هي الفقه في دين الله، وأمْرٌ يُدخله الله في القلوب من رحمته وفضله. قال: ومما يُبين ذلك، أنك تجد الرجلَ عاقلاً في أمر الدنيا ذا نَظَرٍ فيها، وَتَجدُ آخرَ ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله.


وهذه المعاني للحكمة ليست بمتضادةٍ ولا يأبى بعضُها الآخر والله أعلم-، بل هي أوجهٌ وأنواعٌ من أنواع الحكمة.


 


أحبتي في الله، إنَّ وصفاً يقول لنا الباري: إنه يُؤتى لأناسٍ ويُحجزُ عن آخرين، ولا يُوفَّقُ له كلُّ أحد، ثُم يمتدحه مُشِيداً بمكانته، ثم يُخبر أن من اتصف به وأوتيَه فقد أوتيَ خيراً كثيراً، بل وفوق ذلك أن تستحضر بأن ربَّك مُمِدُّ كُلِّ حكيمٍ بحكمته، فهو الحكيم العليم، وهو الذي {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }الشورى51 سبحانه وتعالى، فالحِكمة وصفٌ له ذاتي، فهو الحكيم العليم، وهو الحكيمُ الخبير، وهو العزيزُ الحكيم، وهو الذي أنزل كتاباً أُحكمت آياته، هو القرآنُ الحكيم.


فأي خيرٍ يُؤتاه من أُوتي الحكمة، وأي شيء يخسره من أوتي الحكمة؟!


حتى قال قائلهم: العقل مع خشونة العيش عند العقلاء- أسرُّ منه مع لين العَيش مع السُّفهاء. ونحن نقول الحِكمةُ أولى بالعقل بهذه المنزلة؛ لأنها عقلٌ وزيادة.


 


أيها المسلمون، إن الحكماء هم الذين يُبصرون ما يخفى على كثير من المبصرين، ويصيبون الحق بالعلم والفقه وزكاء النفوس، ويُؤثرون الأبقى وإن تأخَّر على الأعراض الزائلة، فلا تستخِفُّهم البهارج، ولا تُذهبُ ألبابهم الزخارف، يَثبُتون عند طيش الناس، ويتثبتون عند خفة الأوباش، أسعدهم الله بالعلم والفهم الذي آتاهم، وإلى سَنن الحق والعلم والعدل هداهم.


 


وقد يُسعد الله أقواماً بالحكمة حتى تُعرف فيهم، وتكثُر بينهم وقد آتى الله أنبياءه الحكمة مع الكتاب، فهم ينطقون بها، ويعلِّمون الناس الكتاب مع الحكمة، وبالحكمة. ومن هؤلاء آل إبراهيم، كما قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} النساء54.


وكذلك وهب اللهُ داوود الحكمة، فقال: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ...} البقرة251، وقال تعالى عن داوود أيضاً: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ص20. وهكذا جمع الله لعيسى بين التوراة والإنجيل والحكمة، وقال: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} آل عمران48.


وأما نبيُّنا صلى الله عليه وسلَّم فقد أوتي الحكمة مع القرآن، وورَّث هذه الحكمة لأمته، قال الله تعالى: {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} النساء113، وقال: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} آل عمران164.


 


أيها المؤمنون، وإنَّ مِن عباد الله مَن ليسوا بأنبياء ولا مُرسلين، وقد أوتوا الحكمة، فمنهم لُقمان، آتاهُ اللهُ الحكمة، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } لقمان12.


وأوتي أهلُ اليمن الحكمة كما نَسَبَ النبيُ صلى الله عليه وسلم الحكمة إلى اليمن، فعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((قال أتاكم أهلُ اليمن، هم أرقُّ أفئدةً، وألينُ قلوباً. الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية)) ثم قال: ((والفخرُ والخُيلاء في أصحابِ الإبل، والسَّكينةُ والوقارُ في أهل الغنم)) متفق عليه. ومن نافلة القول التنبيه على أن اليمن هو ما كان أيمن الكعبة، يعني ما دونها جنوباً، ولم تكن الحدود السياسية -المعروفة في هذه الأيام- على زمانه صلى الله عليه وسلم، فيدخُلُ في هذا الحكمِ اليمنُ السياسي المعروف الآن، وغيرُه من بلاد جنوب السعودية. فانظُر أيُّها الموفَّق- أيُّ خيرٍ نال أهلَ اليمن بهذه المنقبة، وأيُّ رِفعةٍ اكتسبوها بنسبتهم إلى الإيمان والحكمة، ونسبة الإيمان والحِكمةِ إليهم!!


 


ومن حكمة أهل اليمن شجاعتُهم، وإقبالُهُم على القُرآن فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنِّي لأعرِفُ أصوَاتَ رُفْقَة الأشْعَرِيِّينَ بِالقُرآن حِينَ يَدْخُلُونَ باللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مًنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتهِمْ بالقُرآن بِاللَّيلِ، وإنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بالنَّهَارِ. وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الَخَيْلَ -أَوْ قَالَ : العَدُوَّ- قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأمُرُونَكُمْ أنْ تَنْظرُوهُمْ) رواه البخاري، وإنما يقول ذلك لشجاعته، وشدة بأسه.


 


أحبتي في الله، إنَّ مِن أَخَصِّ ما يدخل في حكمة الحكماء: إيثارُ الآخرة الباقية على هذه الخسيسة الفانية، وليس المقصودُ تركُ حبال الدنيا على غاربها لأهل الفجور أو للكفار، ولكنهم أقوامٌ عرفوا مقدار ما بين الدارين فجعلوا الدنيا -في كل ما يعملونه فيها- بابَ ربحٍ للآخرة، فَصَدَقوا مع الله في تجارتهم، واحتسبوا في أعمالهم ووظائفهم، وحَذِروا مِن كل ما يُباعد عن مرضاته تعالى.


 


إن الحكماء يُقرِّبون من الإخوان كلَّ مَن يكون في صحبته الغُنمُ وحُسنُ العاقبة، ويتجافون مِن كُلِّ مَن كان حُلو المظهر حسن الأحدوثة كثير المؤانسة إذا لم يكن طيِّبَ المَخبر، كريم الخصال، ويعرفون بما آتاهم الله من الحكمة أنَّ مِن الصَّداقة والمودة ما ينقلب عداوة بقلة الوفاء، أو سوء التدبير، ويومَ القيامة يكفُر هؤلاء بعضُهم ببعضٍ ويلعنُ بعضُهم بعضاً {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.


 


الحكماء، ينظرون في العواقب، ولا يستعجلون النتائج، ولا يحكمون بالصواب مع الغَلَبة، فلا يستخفنهم بطش الباطش، ولا قوة القوي، أو غنى الغني، أو ترؤُّس الجاهل، ولا يحقرون أن تكون كلمةَ الحق، أو مفتاح الخلاص عند موظفٍ صغير، أو فقيرٍ كسير، أو عالمٍ غير شهير. إن حكمة الحكيم تجعله لا يغترُّ بالمظاهر، ولا يُقلِّدُ أهل الغلبة، والصِّيت، ولكنه يراجعُ مواقِفَه، ويُبصر مواضع أقدامه، ويتثبَّتُ قبل كل خطوة. فَرَيْثُه، وصَمْتُه، وإمساكُه= أدواتٌ له يتقي بها مواضع الزلل.


 


والحكماء، يعلمون أنَّ مِن أولى ما تُطلب فيه الحكمةُ الدعوةُ إلى الله، فهم حينما يُكرمهم الله بفضله، بعلمٍ أو عملٍ يدعون إلى الله عالمين، متعلمين، متبعين غير مبتدعين، مغلبين لجانب الرفق والرحمة، مستعمِلين لأضدِادها بقدر، في المكان المناسب، والزمان المناسب. خَيرُهُم مبذُولٌ، وشرُّهُم مكفوف، الناسُ منهم في خير، وإن تعمَّدهم بعضُ الناس بالأذية والضير. قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.


 


والحكماء، أحبتي في الله، لا يُفَضِّلون بعض أبنائهم على بعض، فكما يريد الواحد منهم أن يكونوا سواءً له في البر، فإنه يكون سواءً لهم في العطاء والحُب. وهم كذلك لا يميلون إلى زوجةٍ حتى يذر أحدُهم الأخرى بائسة كالمعلَّقة، ولكنهم يستعملون العدل والحزم، حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يُقصِّرُ الواحدُ منهم في حق أحد على حساب أحد.


 


والحكيم من الناس لا يساوي بين شرع الله المطهَّر، الذي نستمدُّه من الذِّكر الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونستمدُّه مما أنزله على رسوله من الحكمة= وإن كنا نستمد منهما بأقوال، واجتهاد البشر أعني العلماء- أقول: لا يساوي هذا باجتهادات قوم ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا من الكفرة والفجرة. لم تُبلَ اجتهاداتهم، أو تُعرك بالسنين، وليس لها من العصمة ما للشرع المتين، ولا لأصحابها من الزكاء ما لعلمائنا الأقدمين منهم والمُحدثين. نعم لا مانع من استمداد ما عند القوم من الحكمة كائنة ما كانت ما لم تخالف شرعاً، أو تقدح في دين. وإذا اختلفت المصالحُ والشرائع، كانت الشرائعُ هي المصالح... يعلمُ هذا الراسخون في العلم، ويهلك فيه أهل الارتياب والشك. ولمَّا قال الله: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}البقرة195 كان من حِكمة الصحابة ما رواه أبو داود والترمذيُ وغيرُه عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، يُلْقِى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، لَمَّا نَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الإِسْلاَمَ قُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ في أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فَالإِلْقَاءُ بِالأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ في أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا، وَنَدَعَ الْجِهَادَ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وغيرهم.


 


والحُكماءُ يحذرون مِن ألاعيب أهل الأهواء التي يَطعنون بها الدين بالطعن في حَمَلَته، فقومٌ طعنوا في الصحابة لما لم يتهيَّأ لهم الطعنُ في صاحِبِهم صلى الله عليه وسلم، وقومٌ (ليبراليون) طعنوا في العلماء لما ضاق عليهم ما كان يفعله أسلافُهم (العلمانيون) قريباً- من الطعن في أصل الدين، وقومٌ يطعنون في كل مجاهد، وآخرون يطعنون في كل محجبة. والحكيم يعلم أن الصحابيَّ والعالمَ والمجاهدَ والصالحَ والصالحةَ ليسوا معصومين، ولكنهم الأخيارُ الأبرارُ الذين هدى الله، وبهداهم يُقتدى.


 


أيها المؤمنون إن الإفاضة في وجوهٍ من الحكمة قد يطوِّل بنا -في الحديث عنها- المقام، ولكنَّها خصلةٌ تُكتسب بالإقبال على الله، والإقبال على كتابه وشرعه، وتزداد بالتجربة والمعايشة، وتخلص وتتضوَّع بالمحاككة والممارسة، وتقوى الله خير الزاد، وأهل التقوى أجدر برحمة الله، وأقرب إلى إحسانه. فإذا أضفتَ إلى ذلك محادثَةَ أهلِ الخبرة والحكمة، والنظرَ في تجارب الأُمم؛ كان ذلك مما يزيدُ الحكيمَ حكمةً، والمجرِّبَ تجربة، ومن أوتي زكاء وعقلاً فقد أوتي خيراً كثيراً. ورُبَّ عاقل نفع الله به عابداً، ورُبَّ مجرِّب كف الله بها عن الأمة شراً.


عن الأعمش، قال: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نَطَقَ بها.


وكان إذا ذُكر الحسنُ عند أبي جعفر الباقر قال: ذاك الذي يُشبه كلامُه كلامَ الانبياء.


 


رزقني الله وإياكم صلاح الحال والمآل، ورزقنا الحكمة والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.



 


الحمد لله الحكيم العليم، العظيم الرحيم، الذي أحسن كُل شيء خلقه، أشهد ألا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمداً رسولُ الله عبدُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.


 


أما بعد، فمن الحكمة أقوالٌ مأثورةٌ كثيرةٌ، يطربُ لها سامِعُها، تتضمن في كلماتٍ قليلةٍ خبراتٍ كثيرة، ورُبما صيغت في أبهى عبارة. تجد في كثير منها مِن الحكمة ما قد يظُنُّ كثيرون خلافَه، فيُنبِّهُ الحكيم على ما يدُقُّ معناه ويفوتُ على الأكثرين، فيكون من ذلك دَركاً للتجارب، واستفادةً من الخبرات، وإرشاداً للفضائل.


 


وفي هذا الباب من القرآن والسُّنة ما جرى مجرى الأمثال، وكان فيه مِن الحكمة، بل إن القرآن والسنة هما الحكمة بحذافيرها. ومنه كذلك كلماتٌ منقولاتٌ عن بعض الحكماء، وهي بالغةٌ في الكثرة مبلغاً عظيماً، ومما انتخبتُه لهذه الخطبة منها، ما يلي:


عن الأحنف: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: شريفٌ من دنيء، وبَرٌ من فاجر، وحليمٌ من أحمق.


 


وعن ميمون بن مِهران قال: ثلاثةٌ تُؤَدَّى إلى البَرِّ والفاجِر: الأمانة، والعهدُ، وصلةُ الرحم.


 


وعن ابن شبرمة قال: من بالغ في الخصومة أَثِم، وَمَن قَصَّر فيها خُصم.


 


وعن بشر بن الوليد، قال سمعتُ أبا يوسف يقول: العِلمُ بـ (الخصومة والكلام) جهلٌ، والجهل بـ (الخصومة والكلام) علمٌ.


قال الذهبي: مِثالُهُ: شُبَهٌ وإشكالاتٌ مِن نتائج أفكار أهل الكلام، تُورَدُ في الجدال على آيات الصِّفات وأحاديثها، فَيُكَفِّرُ هَذا هَذا، وَيَنشَأُ الاعتزالُ، والتجهُّمُ، والتجسيمُ وكلُّ بلاء، نسأل الله العافية.


 


وقال الحكيم الترمذي: ليس في الدنيا حِملٌ أثقَلُ مِن البِر، فَمَن بَرَّك فقد أَوثَقَك، وَمَن جفاك فقد أطلقك.


وقال: كفى بالمرء عيباً أن يَسُرَّهُ ما يَضُرُّه.


 


وقال إسحاق بن حنين بن إسحاق لبعض الوزراء: أيها الوزير إنَّ مَن تصدَّى لحفظ مصالح الناس ذَكَرَتهُ الألسُنُ بالمدح والذم، فاجتهد أن تكون ممدوحاً في ذاتك، لا بحسب أغراض الناس.


وقال للمُكتفي وقد قرُب أجلُه: يا أمير المؤمنين قرُب منك ما كُنت تُبعده عن نفسك، فلا تلتفت إلى ما بعُد عنك ولا يعودُ إليك، واشتغل بما قرُب منك ولا يُفارقُك.


 


وهذه جُملةٌ أخرى مما نُقل من الحكمة:


طول التجارب زيادةٌ في العقل.


ثلاثةُ أشياءٍ لا يُستقَلُّ قليلُها: الدَّين، والعداوةُ، والمَرَض.


مَن عرف فضل مَن فوقه؛ عرف فضلَه مَن هو دُونه.


اعتزِل الشر؛ فإن الشر للشر خليق.


لا بُدَّ من الموت فلا تخف [منه]، وإنْ كُنت تخاف مما بعد الموت فأصلِح شأنك قبل موتك، وخف سيئاتك لا موتك.


إذا مدحك واحدٌ بما ليس فيك؛ فلا تأمن أن يذُمَّك أيضاً- بما ليس فيك.


إذا قامت حُجَّتُك على الكريم: أكرمَكَ ووَقَّرَك، وإذا قامت على الخسيس: ازدراك وامتهنك.


إذا أقبلت الدولةُ خدمت: الشهواتُ العقولَ، وإذا أدبرت: خدمت العقولُ الشهواتِ.


وقال نصراني: حرامٌ على الملك السُّكر؛ فإنه حارسُ المملكة، وقبيحٌ أن يحتاج الحارسُ إلى مَن يحرُسُه.


الطبيب خادِمُ القَدَر، صحَّ المريضُ أو هَلَك.


ابعث عينيك على نفسك حتى لا يكون الناس بعيبك أعلمَ منك بنفسك.


رأسُ مروءة الملوك: حُبُّ العلم والعلماء، ورحمةُ الضُّعفاء، والاجتهادُ في مصلحة العامة.


مَن صرف رأيه في غير المهم أزرى بالمهم.


إذا سُئل غيرُك فلا تُجب؛ فإن ذلك استخفافٌ بالسائل والمسؤول.


أحقُّ ما صَبَرَ عليه المرءُ ما ليس إلى تغييره سبيل.


إذا وجدتَ كلاماً حسناً لغيرك فلا تَنسِبْه إلى نفسِك، واكتفِ باستفادتك منه...


العاقل لا يكلِّفُ نفسه ما لا تطيق، ولا يسعى فيما لا يُدرك، ولا ينظر فيما لا يعنيه...


العاقل لا يغتر بالمرتقى السهل إذا كان المُنحَدَرُ وَعراً.


لم يعرف الحق من لم ينفصل من الباطل.


إذا أصابك همٌ فاقمع الحُزن بالحزم؛ وفرِّغ العقل للحيلة وطلب الخلاص.

اضيف بواسطة :   الشيخ حسن البار       رتبته (   الادارة )
التقييم: 7 /5 ( 1 صوت )

تاريخ الاضافة: 27-02-2010

الزوار: 499

طباعة


الخطب المتشابهة
الخطبة السابقة
أن يفخر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم..... لمحات من سيرة سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه
الخطب المتشابهة
الخطبة التالية
من شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم
جديد قسم خـطبة الجمعة مكتوبة
من فقه العقوبة والتأديب-خـطبة الجمعة مكتوبة
اعفُ عمَّن أساءَ إليك-خـطبة الجمعة مكتوبة
بركات الله-خـطبة الجمعة مكتوبة
أبناؤنا والاختبارات-خـطبة الجمعة مكتوبة
من ضوابط حرية التعبير عن الرأي في الإسلام-خـطبة الجمعة مكتوبة
كن لأخيك في سرائه وضرائه-خـطبة الجمعة مكتوبة
كونوا أعوانا في الخير-خـطبة الجمعة مكتوبة
الهجوم على شبابنا بالخمور والمخدرات-خـطبة الجمعة مكتوبة
دروس من قصة اتخاذ المنبر النبوي-خـطبة الجمعة مكتوبة
هيكل سليمان.. أكذوبة الزمان-خـطبة الجمعة مكتوبة
القائمة الرئيسية
نشـاط الجـامع
راسلنـــا
التقويم الهجري
عدد الزوار
انت الزائر :30408
[يتصفح الموقع حالياً [ 13
الاعضاء :0 الزوار :13
تفاصيل المتواجدون

Powered by: mktbaGold 5.3