من فقه الدعوة

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:

فإن الله تعالى يقول : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{104} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{105} يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ{106} وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{107} تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ}آل عمران: ١٠٤ – ١٠٨ يعني بذلك جل ثناؤه:"ولتكن منكم" أيها المؤمنون جماعة "يدعون" الناس إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده "ويأمرون بالمعروف"، يقول: يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من عند الله ، ويدعون إلى كل ما عُرف بالعقل والشرع حُسنُه . "وينهون عن المنكر": يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله ، وعن كل ما عُرف بالشرع والعقل قُبحُه ، بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة. ثم قال تعالى : "ولا تكونوا"، يا معشر الذين آمنوا ="كالذين تفرقوا" من أهل الكتاب="واختلفوا" في دين الله وأمره ونهيه ="من بعد ما جاءهم البيناتُ"، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمرَ الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على الله "وأولئك لهم عذاب عظيم" يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا، يا معشر المؤمنين، في دينكم تفرُّق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم. وأنت ترى المقارنة هاهنا بين قوله :{وأولئك هم المفلحون} في الآية الأولى ، وبين قوله في الآية التي تليها : {وأولئك لهم عذاب عظيم} ، فأولئك لمَّا دعوا إلى ما يُصلح آخرة الناس ودنياهم ، ودعوا إلى الحق الذي يجتمع الناسُ عليه ، وهو توحيد الله وطاعته ، فهم داعين إلى فلاح الناس ؛ فجازاهم الله بإدخالهم الفلاح على غيرِهم أن رزقهم فلاحاً عظيماً . وأما الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيَعاً ، ورأوا بيِّناتِ الله ودلائلَ دينِه وتوحيدِه فخالفوها ، فهؤلاء يوقعون الفُرقة بين المؤمنين ، ويُدخلون الشقاق على الناس ، فجازاهم الله من جنس أعمالهم {وأولئك لهم عذاب عظيم} .

ولذا أيها المسلمون فإن الدعوة إلى الله تعالى لمن أشرف الخصال ، يصرف الله إليها من خلقه من أراد بهم خيراً ، وأحب الخير لهم ، أوليس كل رُسُل الله صلى الله عليهم وسلم من الدعاة إلى الله ، أوليست أشرفُ قولةٍ ، وأحسنُ كلمةٍ كلمةٌ يقولها الداعي إلى الله يبتغي بها وجه الله{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}فصلت: ٣٣ ، أو ليس الدعاةُ أهلُ البشاشةِ والرحمةِ والرفقِ بالخلقِ وتعليمِ الناسِ الخير ،، بلى والله ، فمن كان منهم كذلك : مخلصاً في دعوته ، داعياً إلى ربه لا إلى نفسه ، بعيداً عن التحزُّب وتفريق المؤمنين ، يدعوا إلى ما بلغه من دين الله ويسكتُ عما لا يعلمه = فهذا على سبيل الهدى ، وعلى الطريق المستقيم { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف: ١٠٨

ويدخل في ذلك العلماءُ المعلمون للدين، والوعاظُ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة، ويدخُلُ فيهم كُلُّ من حمل كلمة التقوى وأدَّاها في مجلسٍ أو محفَلٍ أو منتدى ، وكُلُّ من ذكَّر بالله عند الغفلة ، وكُلُّ من أبرز محاسن الدين ، وذَبَّ عنه الشبهات التي تُلصق به . أخي في الله إنك تستطيعُ أن تكون من الدعاة إلى الله ، بل لماذا لا تكونُ داعياً على الله؟؟ ولو قصَّرتَ ، ولو أذنبتَ ، ولو فرَّطت في بعض الصالحات ، وعملتَ بعض المعاصي ، فلعل حسنة الدعوة إليه سبحانه تكون هي التي تُثَقِّل ميزانك ، وتدفعُ عنك مغبَّة عصيانك .

أحبتي في الله ، إن الدعوة إلى الله مهنةٌ شريفةٌ ، ليست عملاً للبطالين ، ولا هي بمجالٍ لاجتهادات الصبيان وجهالات الجاهلين ، وليست الدعوةُ إلى الله منافسةً وخصومةً وفُرقةً ونزاعاً بل إن ذلك كلَّه من عمل الشياطين ، لتضيع الأجور ، وتحل محلها الذنوب والأوزار . ولذا فلا بد عند الدعوة من مراعاة شروطٍ وضوابط يحصُلُ بها المقصود ، ويُتجنب بها الخطأ ، ويحصل بسببها مقصود الشارع سبحانه من الدعوة إليه ، فمن ذلك :

قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى) ، فلا بد في كل عمل من نيةٍ ، وقد نبَّه بعضُ أهل العلم أن العبادات المتمحِّضةُ في العبادة لا يُشترطُ لها النيةُ ، وذلك كقراءة القرآن وقيام الليل ، والتذكير بالقرآن والسنة ونحو ذلك . ولكن الأعمال التي يَحتملُ الأمرُ فيها أن يكون عبادة أو ألا يكون: كغشيان الناس في مجالسهم ، والمشاركة في وسائل الإعلام ، والتلطُّف بالناس = فهذه لا يحصل بها أجرُ الدعوةِ إلى الله إلا بنية ذلك ، واحتسابه عند الله . ثم يجب أن تكون الدعوة إلى الله = إلى الله لا لحظ نفس ، ولا لطلب العلو في الأرض ، ولا لتنقُّص أقوامٍ أو رفع آخرين (ولو تكلَّم رجل- بحق بقصد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حميةً ورياءً ، وإن تكلَّم لأجل الله تعالى مخلصاً له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله ، من ورثةِ الأنبياء خلفاءِ الرسل) الفتاوى: 28/ 235

 

ومن ضوابط الدعوة إلى الله : أن يعلم الداعي إلى الله أن الله إنما أمر أن يُزال الشر بالخير بحسب الإمكان ، فيُزال الكُفرُ بالإيمان ، والبدعةُ بالسنةِ ، والمعصيةُ بالطاعة ، وأن يعلم الداعي إلى الله أن درأ المفاسد في هذه الشريعة مقدَّمٌ -على وجه العموم- على جلب المصالح .

وعليه فليس من الدعوة إلى الله إزالة البدعة ببدعةٍ مثلِها ، وليس منها كذلك نقل الناس من نوعٍ من أنواع المنكرات إلى أنواعٍ أخرى كصرفهم عن سماع الموسيقى إلى الأغاني الدينية أو الأغاني التي تحض على الوطنية أو العمل الجاد ونحو ذلك . وكذلك ليس من الدعوة إلى الله استبدال العصبيات الجاهلية بالولاآت الحزبية . وليس من الدعوة إلى الله الكذب على الناس بشيء من القصص أو الاستدلال بالباطل لأجل تحبيبهم إلى الخير فـ (لا بد أن تُحرس السُّنة بالحق والصدق والعدل ، لا تُحرس بكذبٍ ولا ظُلم ، فإذا رد الإنسان باطلاً بباطل ، وقابل بدعةً ببدعةٍ كان فعله هذا مما يذمه السلف والأئمة) درء التعارض: 7/ 282 

وينبغي على الداعية أن يغرس في نفوس مدعويه حب الحق وأهله ، وكراهية الباطل وأهله ، والشفقة على الخلق ، ومحبةَ العمل الصالح ، والأسفَ على ما سلف من ذنوبه ومعاصيه ، والحرصَ على ما بقي من العمر أن يُستغل بتعلم العلم ، وعبادة الرب سبحانه وتعالى .

 

ومن قواعد الدعوة إلى الله: أن يعلم الداعي إلى الله أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وبدرء المفاسد وتقليلها ، ولكنَّ هذا لا يسوِّغ الوقوع في محرَّم من أجل مصلحةٍ قد يراها الداعي إلى الله ، وذلك أن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه) متفق عليه .  وعليه فلا يجوز إقامة الاحتفالات البدعية ، واستخدام الوسائل المحرمة كالغناء والدفوف للرجال من أجل جمع العصاة أو أهل الكبائر وتبليغهم الدعوة إلى الله ، لأن الدعوة إلى الله طاعةٌ وقُربة ، ولا يُتقرَّبُ إلى الله بالمعاصي . وكذلك لا يجوز أن يُستعجل بالإنكار على مرتكب منكرٍ يشغله منكره هذا- عن منكرٍ أعظم منه ، بحيث إنه عند الإنكار عليه على لعبه ببعض ألعاب السوني المحرمة مثلا ، يقوم ويذهب لإيذاء بنات المسلمين بالهاتف أو في الأسواق ، بل دعه في هذا ، فهو خيرٌ له من ذاك ، والعياذ بالله من هذه المثابة .

 

ومن قواعد الدعوة إلى الله : أن يعلم الداعي إلى الله أن الله تعالى لا يكلِّف النفوس إلا بما تطيق ، ولا ينهاها عمَّا هي مضطرةٌ إليه . وهذا واقعٌ في الشريعة لا يحتاج إلى تحصيل ، ولكن بعض الحالات قد يعتريها ما يمنعها من القيام ببعض الأوامر الواجبة عليها ، أو يمنعها من ترك بعض المحرم ، فحينئذ يعلمُ الداعيةُ البصيرُ أن إحراج هذا الإنسان وإعناته ، وتكليفه ما لا يستطيع مما لا تأتي به الشريعة . فمن دخل في الإسلام في بلاد الكفار ، فإنه يُشرع في حقه الانتقال إلى بلاد المسلمين ليقوم بتطبيق دينه ، ويتعلَّمَ أحكامه ، فإن عجز عن ذلك ، ولم تستقبله شيء من دول المسلمين ؛ فلا حرج عليه من البقاء في داره التي هو فيها ، ويعمل من دين الله بما استطاع ، وبما بلغه من العلم . ومن هذا الباب كذلك أن بعض الناس قد يتوب من العمل في البنوك الربوية المحرمة ، ولا يجد له باباً من أبواب الدخل يُقيت به نفسه وولده ولو ببعض النقص عليه ، فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى- أن يبقى في عمله هذا إلى أن يُيَسِّر الله له عملاً آخر يقوم مقامه ، على أن يجتهد في البحث ، ويصدق مع الله ، فليس الله تعالى ممن يُخدع بالتعللات الكاذبة {فاتقوا الله ما استطعتم} ، ولا يجوز له البقاء في عمله هذا تكثُّراً ، أو تهاوناً . وعليه أن يجتنب التعامل المحرم ما استطاع ، فيعمل في أقسام لا علاقة لها بالحرام ، حتى يُيسِّر الله عليه أمره ، ويُطيِّبَ رزقه .

ومن قواعد الدعوة إلى الله : أن الله تعالى لا يُعبد إلا بما شرع ، ولا يُعبد بالمحدثات ولا البدع ، ولا باستحسان الأهواء والأذواق ، فما يفعله أصنافٌ من المتدينين الجُدُد من إحداث شعارات ، أو لبس ملابس بهيئاتٍ معيَّنة ، أو قص الشعر أو توفير الذقن بطريقة تخالف الهدي النبوي كل هذا لا يجوز فعله بنية التقرُّب إلى الله ، بل فعله بهذه النية يجعله من البدع التي جاءت الشريعة بالنهي عنها ، والتحذير منها . ومن ذلك كذلك أنه (ليس لأحدٍ من الناس أن يَسُنَّ للناس نوعاً من الأذكار والأدعية غير المسنون ، ويجعلها عبادةً راتبةً يواظبُ الناسُ عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس ، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به) الفتاوى: 22/ 511 ، فإذا كنا نقول هذا في الأوراد والأذكار ، فما بالكم بالبيانات ، وإحداث الهيئات الجديدة التي لم ترد في الشريعة للاجتماع كل خميس أو كل جمعة من ترتيبات لم يُنزل الله بها من سلطان .  وكذلك (ليس لأحد أن ينصبَ للأمةِ شخصاً يدعو إلى طريقته ، ويوالي ويُعادي عليها غير النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ولا أن ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويُعادي غيرَ كلام اللهِ ورسولِه وما اجتمعت عليه الأمة  ، بل هذا من فعل أهل البدع) فتاوى: 20/ 164

 

ومن القواعد التي يحتاجها الدعاةُ إلى الله قاعدةَ الاجتماع والائتلاف بحبل الله ، كما قال تعالى: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}آل عمران: ١٠٣  وميزان الحُب والبُغض في الإسلام موكولٌ على فعل الطاعات وفعل المعاصي ، فمن كثُرت حسناته يجب أن يُحب حُبا يليق بإيمانه ودينه ولو كان من المخالفين لك في بعض الاجتهادات ، أو المنافسين لك في بعض الأعمال ، ومن نقص إيمانه أو ازداد عصيانه فإنه ينبغي أن يُنقص من ولايته بقدر ما نقص من دينه ، وإن كان من جماعتي أو من الموافقين لي ، وأيُّ انتسابٍ أو تجمُّع يُبنى عليه الولاءُ والبراءُ ، والحبُّ والبُغض فإنه لا يكون طاعة ، بل قد يكون معصيةً وتحزُّباً ، وتفريقاً بين المؤمنين . ولا يجوز أن يؤدي التنازع في المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف إلى الحكم بتفسيق المخالف أو تبديعه أو هجره . ولا إثم على من اجتهد إن كان من أهل الاجتهاد- ولو أخطأ ، فإن الله رتَّب الأجر على الاجتهاد ، كما رتَّبه على إصابة الحق . قال صلى الله عليه وسلم : (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) متفق عليه

ومن القواعد التي لا يستغني عنها الدعاة إلى الله فقه الزمان والمكان والأحوال ، فإن الدعاء في يوم عرفة أفضل من الصلاة ، مع أن جنس الصلاة أفضلُ من جنس الدعاء ، والأخذ بالقول المرجوح -في بعض الأحيان إذا احتمله الدليل- يكون أفضل عند خشية حدوث الفتنة أو عدم فهم الناس وتقبُّلهم للقول الراجح ، ويجوز لداعية في بعض الأحيان أن يفعل المفضول من الأعمال المباحة ليُري الناس من يُسر الشريعة ، وأخذ الصالحين برُخصها ومتاعها مما قد يظن الناس أنهم يتشددون فيه ولا يأخذون به ، على أن يبقى السَّمتَ العام للداعية هو الحرص على معالي الأمور وترك سفسافها . وكذلك مع أنه يُشرع مناظرةُ أهل البدع لبيان باطلهم ، ونصح الناس في مفارقتهم ، إلا أن هذا الأمر لا يُشرع لمن ضَعُفت حُجتُه ، فلربما ضعَّف الحق في عيون الناس وهو يُريد أن يَنصُره . ولذا فأنا أُحذِّر من لا علم كافي عنده من دخول غرف وقنوات النصارى والملحدين ، وأهلِ البدع كالرافضة وغيرِهم للاستماع لهم ، فضلاً عن مجادلتهم دون علمٍ أو برهان وحجة . ومن هذا الباب أن بعض الناس لا يستقيم له إيمانه ، ولا يثبُت على الطاعة إلا ببقائه مع أقوام عندهم نوعُ تقصير في بعض أبواب الدين ، وبعضُ الناس قد لا يبقى مسلماً إلا مع بقائه على بعض أنواع البدع ، فمثل هذا يُقال بأن بقائه على ما عنده من الخير ، وإن شابه شوب البدعة أو المعصية خيرٌ من أن ينقلب على وجهه ، ويخسر البقية الباقية له من الخير .

ومن قواعد التي يُفاد منها في الدعوة إلى الله: قاعدة أن الوسائل في الشريعة الإسلامية لها أحكام مقاصدها ، فوسائل الخير هي التي تقود إلى الخير ، والوسائل المحرمة إنما تقود إلى المحرَّم ، وعليه فلا حرج إن شاء الله في عمل أي عملٍ يُسهم في الدعوة إلى الله ، وتعريف الناس بالحق ، ويُعين على تبليغ الخير للمسلمين أو لغير المسلمين ، ما لم يكن ذلك العملُ أو تلك الوسيلةُ محرمةً في الشريعة . بينما لا يجوز استخدام الوسائل التي حرَّمها الله ، ولو كان يظن هذا الداعي أن توصلها إلى مصلحة عظيمة .

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، والموت راحة لنا من كل شر .


 

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، سبحانه يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم ، أشهد ألا إله إلا هو الملك الحق المبين ، رفع السماء ووضع الأرض ، وأقام ميزان العدل والقسط ، وأشهد أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم دعا إلى سبيل ربه ، فبه الله هدانا ، وبه علَّمنا ، وهو صلى الله عليه وسلم الذي على الصراط المستقيم دلنا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

أيها المسلمون إن الدعوة إلى الله لمن خير الأعمال ، وأجل العبادات ، ولكن الإسلام دين القسط والعدل ، وقد جاء لكل أمرٍ بما يناسبه ، وعليه فإن واجب الدعوة على الله وهو واجبٌ كفائي على الأمة يجب ألا يكون بحيث يؤدي إلى التفريط في الواجبات العينية المفروضة على الداعية بنفسه ، والتي هو مسؤول عنها يوم القيامة في المقام الأول قبل غيرها من الأعمال ، نعم حبذا الجود ولكن لا إلى الحد الذي يضيِّع معه من يعول ، وحبذا صرف الأوقات مع المدعوين ولكن لا على أن يضيع أولادُه ، وأكرِم بالسفر للدعوة في سبيل الله ولكن بعد أن يأخذ أهلُك وبلدُك من نصيبهم من ذلك . أحبتي في الله إنه ليس مما يحبه الله أن يخرج الداعي إلى مشارق الأرض ومغاربها شهوراً متعددة ويترك وراءه أماً ثكلى ، وأباً والهاً ، وصبيةً يحتاجونه في تعليمهم وتأديبهم وتربيتهم ، وزوجاً لا تصبر على فراقه . قد جعل الله لكل شيء قدراً ، والله يُحب أن يُؤتى بالفرائض قبل الإتيان بالنوافل ، ونسأل الله الهداية للجميع.

وكذلك ليس مما يحبه الله أن يتصدَّر الداعي إلى الله للحديث في كل مجلس ، وأن يسلب الناس حلاوة حديثهم ، وأن يستأثر وحده بالكلام ، وربما تكلَّم فيما لا يُحسن ، أو أفتى وهو جاهل ، أو ساق من القصص ما لا يقبله عقلٌ ولا شرع ولا ذوق ، كل هذا بزعم الدعوة إلى الله ، رويداً يا أخي ، واحذر أن تصُدَّ الناس عنك وعن دعوتك ، وأنت تريد لهم الهداية والفلاح .

وكذلك ليس من الحكمة في الدعوة أن يُساق الصغار وحديثو العهد بالتوبة إلى الحديث في المجالس ، وأن يتعوَّد المرء منهم على إخبار الناس بعمله ، فالأصل في الدعوة هو الإخلاص ، وفي العمل الصالح الإسرار ، وإنما يُجهر بما تدعو إليه الحاجة.

وأخيراً ، فيا أخي المسلم ، يا أخي الداعية ، يا طالب العلم ، يا أيها الموظَّف ، ويا أيها التاجر ، ويا أختي المسلمة أخاطبكم جميعاً بقول الله تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ{125} وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ{126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ{127} إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} النحل: ١٢٥ - ١٢٨

اللهم أصلح ذات بيننا ، واهدنا رشدنا ، ودُلَّنا على الخير ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين . اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون = اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

 

تاريخ الاضافة: 24-10-2008
طباعة