أن يفخر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم..... لمحات من سيرة سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه

الحمد لله العزيز بلا افتقار، الغني ذي الاقتدار، الملك المهيمن المتين الجبار، سبحانه وبحمده يكور النهار على الليل ويكوِّر الليل على النهار، أحوج الخلق إليه وآتاهم ما به صلاح النفوس والقلوب والديار، وألزمهم بتقواه وبالاستغفار، فلزم عتبته الموفقون يستغفرونه ويتملقونه ويرجون رحمته وهدايته بالعشي والأبكار، ومن أول النهار وأواخر الأسحار.


أشهد ألا إله إلا هو العزيز القهار، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه المصطفى المُختار، الذي أنعم الله به على هذه الأمة وملَّكهم على السهول والأغوار، وعلى البلاد المترامية وعلى الأكوار، وآتاه ما ملأ به نفوسهم بالأنوار،  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}[النساء174] صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، وتابعيه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد، فإن أحسن الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسن الهدي هديُ رسول الله صلى اله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها.


 


أيها المسلمون: إنَّ الله إذا بارك وأعطى فليس لعطائه مُنتهى، وليس لفيض بركته وَجُودِه انتهاء. وإن من النفوس نفوساً جمَّلها الله بالفضائل، وملأ جوانحها بالتقوى، وأفاض عنها المكارم، وأظهر على أيديها العظائم. نعم إنهم أفذاذٌ من الخلق استشرفوا للكمال فلم يجدوا فوق طلب مرضاته كمالاً، وأُعطوا من المواهب فلم يجدوا مصرفاً لهذه المواهب أعود وأجدى من تسخيرها لخدمة دين الله وامتثال أمره مآلا.


 


ألا ترون رحمكم الله إلى مجد هذه الأُمة واتساعِ رُقعة أتباع نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ألا ترون إلى نفوسٍ وأممٍ استحوذ عليهم الشيطان حتى جعلهم ألدَّ أعداءٍ للهدى؛ كيف ذُلِّلت ممالكُهم، وكُسرت شوكتُهم، وغُلبت جيوشُهم، وأُسرت للحق نفوسُهم، بعد أن ارتعدت منه فرائِصُهم= هل كان يُمكنُ أن يكون شيءٌ من ذلك لولا أنَّ حملته الذين حملوه إليهم كانوا كباراً عِظاماً، بررةً أخياراً. إنهم خريجوا مدرسة النبوة، وتلامذة أفضل المربين على الإطلاق. إنهم بُناة المجد، ومُوَرِّثوا الحضارة، وحملةُ الرسالة، إنها الأكتاف القوية، والعقول العبقرية، والنفوس الزكيَّة، فلا إله إلا الله ما أعظمها من قضية، ولا إله إلا الله ما أعظم فضلهم على سائر البريَّة، ولا إله إلا الله كم نحن بحاجة إلى اقتفاء سَنَنِهم، والتشبُّه بآثارهم وفِعالهم، فإنهم كانوا على الهُدى المستقيم.


 


يا عباد الله، ما ظنُّكم بامرئٍ يُفاخر به وبِفِعاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتسبُ إليه وينسبه إلى نفسه، ويقول: ((هذا خالي، فَلِيُرِني امرؤٌ خاله)) رواه الترمذي، وصححه الألباني. نحن اليوم على موعدٍ مع أحد هؤلاء العمالقة، لو لم يكن له إلا أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة لكفاه، ولو لم يكن له إلا أنه تحقق على يديه بعضُ بشارات النبي صلى الله عليه وسلم لأغناه، ولو لم يكن له إلا أن عُمَرَ كان يدعو له خاصةً في بعض معاركه رضي الله عنهم لكان ذلك من أجل مناقبه.


 


حدَّثَ عبد الرحمن بن حُميد عن أبيه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه وكان في جمعٍ من الناس: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عشرةٌ في الجنة؛ أبوبكر في الجنة، وعُمرُ في الجنة، وعثمانُ وعليٌ والزبيرُ وطلحةُ وعبدُ الرحمن وأبو عبيدة وسعدُ بن أبي وقاص)) قال: فعدَّ هؤلاء التسعة وَسَكَتَ عن العاشر. فقال القوم: نَنشُدُك الله يا أبا الأعور مَن العاشر؟ قال: نشدتموني بالله!! أبو الأعور في الجنة. قال أبو عيسى: أبو الأعور هو سعيد بن زيد بنِ عمروِ بنِ نوفل.


 


أحبتي في الله، صاحبُنا اليوم شابٌ جمع الخير من أطرافه، إنه سعدُ بنُ مالك بنِ أُهَيب بن عبدِ مناف بنِ زُهرة، إنه سعدُ بنُ أبي وقاص. قال الترمذي: كان سعدٌ من بني زهرة وكانت أُمُّ النبي صلى الله عليه وسلم من بني زُهرة فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خالي. اهـ  وقد كان سعدٌ ابنَ عمِّ آمنة بنت وهبٍ أمِّ النبي صلى الله عليه وسلم.


 


وُلد سعدٌ قبل البعثة بتسعَ عشرة سنة، وقيل: بسبع عشرة سنة. وأسلم قديماً، يعني وهو ابنُ سبعَ عشرة سنة، أو تسعَ عشرة سنة.


قال أبو القاسم الأصفهاني: أسلم وما في وجهه شعرة.


وفي الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتُني وأنا ثُلُثُ الإسلام. يعني أنه ثالثُ ثلاثةٍ مسلمين ما من مسلمٍ سواهم.


 


وقد اتُّفِق على تقدُّم إسلامه، لكن اختُلف هل هو الثالث كما قد صحَّ ذلك عنه، أو هو السابع؟ إلا أنه لا خلاف في أنه أحد السبعة الذين سبقوا الناس إلى الإسلام. وهذا الخلاف لا شك أنه خلافٌ في موضعٍ متقدِّمٍ من الصفوف الأولى!! وما الثالث عن السابع في هذه الأمة العظيمة ببعيد.


 


قال ابن إسحاق وغيره: إن أبا بكر لما أسلم= جعل يدعو إلى الإسلام مَن وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلسُ إليه؛ فأسلم بدعائه فيما بلغني عثمانُ بنُ عفان، والزبيرُ بن العوام، وعبد الرحمن بنُ عوف، وسعدُ بنُ أبي وقاص، وطلحةُ بنُ عبيد الله، ؛فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له، وأسلموا وصلوا. فكان هؤلاء الثمانية الذين سبقوا بالإسلامِ الناسَ؛ فصلوا، وصدَّقوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بما جاءه من الله عز وجل.


 


قال جمال الدين ابن المِبرَد المقدسي: ومن أعظم فضائله أنه أحدُ العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأحدُ الستة أصحابِ الشورى، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ، وكان مِن أولِ مَن أسلم وهاجر، وكان ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل، وقال الله عز وجل: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا}.


 


قال الذهبي: أولُ فارسٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله.


 


فانظر يا رحمك الله إلى الحظِّ والجَدِّ إذا فتحه الله على عبده، وانظر إلى أوَّلياته: مِن أوَّل من أسلم وقاتل، ومن أول من أنفق من قبل الفتح، وأولُ فارسٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله، وله أولياتٌ أُخر سنعرضُ لبعضها؛ وانظر إلى شأن البدايات في الدعوة والجهاد، كيف يُثمر لصاحبه حُسن العاقبة، وجليل الأجر... يا عبد الله، إن المكارم لا تريُّث في طلبها، وإن السابق يُحصِّلُ من المكانة والمنزلة والبلاء ما لا يُدركه اللاحق. وإنك إنْ تفتح باباً من أبواب الخير يتبعُك الناسُ فيه= تكون فيه إماماً، محمود الأثر، حسَنَ العاقبة إن شاء الله.


 


قال ابن الجوزي: شهد المشاهد كلها.


وقال ابن الأثير في أسد الغابة: شهد بدراً وأُحُداً والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبلى يومَ أُحُدٍ بلاءً عظيماً. قال: وهو أولُ من أراق دماً في سبيل الله.


عن قيس بن أبي حازم قال: قال سعدٌ: إني لأولُ رجلٍ رمى بسهمٍ في سبيل الله في المشركين. وما جَمَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحدٍ إلا لي، ولقد سمعتُه يقول: اِرمِ فِداك أبي وأمي، كما عند أبي يعلى والترمذي وابن ماجه.


وعن قيس قال: سمعتُ سعد بن مالكٍ يقول: والله إني لأولُ العرب رمى بسهمٍ في سبيل الله، ولقد كُنَّا نغزو وما لنا طعامٌ نأكُلُه إلا وَرَقَ الحُبْلة، وهذا السَّمُر؛ حتى إن أحَدَنا لَيَضَعُ كما تضعُ الشاةُ –ما لهُ خِلط-... رواه البخاري وأحمد.


 


وكان مما شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: بدراً؛ وكانت له فيها اليدُ البيضاء، ثم شهد أُحُداً أيضاً، وأبلى فيها بلاءً عظيماً، حتى جمع له فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم بين أبويه، فعن سعيد بن المسيب قال: سمعتُ سعداً يقول: جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أُحُد. وقال علي رضي الله عنه: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يُفَدِّي أحداً بعد سعد؛ سمعتُه يقول: ((اِرمِ فداك أبي وأمي)) رواه البخاري. وفي روايةٍ قال له: ((اِرمِ وأنتَ الغلام الحَزَوَّر)) رواها الترمذي. والحَزَوَّر هو البالغ قوي البدن الذي أطاق حمل السلاح.


وشهد أيضاً الخندق، وشهِدَ خيبر، وهو الذي روى منقبة علي رضي الله عنه يوم خيبر، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وسمعتُه يقول يوم خيبر: ((لأُعطيَنَّ الراية غداً رجلاً يُحبُ اللهَ ورسولَه، ويُحبه اللهُ ورسولُه)). قال سعدٌ: فتطاولنا لها، فقال: ((ادعوا علياً)) فأُتي به أرمد؛ فَبَصَقَ في عينيه، ودفع إليه الراية؛ ففتح اللهُ عليه. رواه أحمد في سياق فيه ثلاث فضائل لعلي رضي الله عنه، وأهل بيته رضي الله عن الجميع.


وشهد تبوك، وشهد غزوة الفتح.


واستمر في وفائه وجهاده بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خلفائه، فكان في جملة جيش الصديق رضي الله عنهم، وقاتل في جند عمر، قال الذهبي: وهو الذي كوَّف الكوفة، وطرد الأعاجم، وتولَّى قتال فارس، أمَّره عمرُ على ذلك، وفتح الله على يديه أكثرَ فارس.


 


ولما أراد عمرُ حثَّ الناس على جهاد أهل العراق لمَّا بلغه انتظامُ شمل الفُرس، واجتماعُ أمرهم على يزدجرد، ونقضُ أهل الذمة لعهودهم، وأذيتُهم للمسلمين= سار بجيوش المسلمين إلى موضعٍ قريبٍ من المدينة -على ثلاثة أميالٍ منها- يُقال له: صِرار؛ واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنهم وكان عمرُ عازماً على غزوهم بنفسه، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة. وهناك كأنه بدا لعُمَرَ رأياً، فعقد مجلساً وشاورَ أكابر الصحابة، وأرسل إلى عليٍ فقَدِمَ من المدينة. فكلُّهُم وافق على الذهاب إلا عبدَ الرحمن بن عوف؛ فإنه قال له: إني أخشى إنْ كُسِرتَ أنْ يضعُفَ المسلمون في سائر البلاد؛ وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجِعَ إلى المدينة. فكلُّهم استصوب هذا الرأي، وقالوا: أصاب يا أمير المؤمنين. فقال عمرُ: مَن ترون نبعث؟ قالوا: قد وجدتَه. قال: ومَن هو؟ قالوا: الأَسَدُ في براثنه؛ سعدُ بنُ مالكٍ الزهري، يعني سعد بن أبي وقاص.


وكان من ذلك خيراً كثيراً، إنه الأسد في براثنه، إنه البطل في قوته وشجاعته وشدةِ بأسه. وكان إرسالُ سعدٍ رضي الله عنه كثيرَ اليُمن والبركة على الإسلام وأهله. وما فعله سعدٌ في حرب العراق والعجم كان مِن أتم الرأي وأحسن التدبير؛ فإنه لا زال يُقاتل بنفسه حتى فرَّق شملهم المجتمع، وبدَّد حالهم المرتفع، ومَلَك مدائن مُلكِهِم، وأمَّ بلادهم، وقهر ملوكهم، ثم بعد ذلك جعل يُرسلُ مَن تحت يده ليكون ظهراً وعوناً ومدداً. وحقق الله به وعد رسوله صلى الله عليه وسلم في أنهم يفتحون القصر الأبيض ونفقة كنوز كسرى في سبيل الله.


 


وهكذا تجده رضي الله عنه يقاتل حيث كان في القتال منفعةٌ للإسلام والمسلمين، وإظهارٌ للدين، حيث قاتل في زمن أبي بكر في قتال المرتدين، وكان من جملة من كان من حرس المدينة، ثم كان ما فتح الله على يديه في زمن عمر، ووليَ لعثمان بن عفان الكوفة. فكان قتالُه رضي الله عنه إنما كان في الكفرة المشركين أعداء الدين، وأما الحروب التي وقعت بين المسلمين، وشجرت بين الصحابة رضي الله عنهم فإنه اعتزلها، ولم يدخل فيها، وانفرد بنفسه. وقد طلب منه بعض أولاده أن يقوم فيها، فامتنع من ذلك وأبى عليه، وذمَّه على ذلك، قال الجمال ابن المبرد: وهذه منقبةٌ عظيمةٌ لسعد حين خاض حربَ الكُفَّار خوضاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وأمسك على القتال على الدُّنيا، وعن قتال المسلمين. وهذا من أعظم دروس فقه هذا البطل الذي كان بأسه لأعداء الله، وحلمه للمؤمنين من عباد الله {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً}.


 


وكان له رضي الله عنه سيفاً غنمه يوم بدر من سَلَب سعيد بن العاص فقَالَ يَا رَسُولَ: اللَّهِ قَدْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذَا السَّيْفُ. قَالَ: ((إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَيْسَ لَكَ وَلَا لِي، ضَعْهُ)) قَالَ: فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ قُلْتُ عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا السَّيْفُ الْيَوْمَ مَنْ لَمْ يُبْلِ بَلَائِي!! قَالَ: إِذَا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِنْ وَرَائِي، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ. قَالَ: ((كُنْتَ سَأَلْتَنِي السَّيْفَ وَلَيْسَ هُوَ لِي، وَإِنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي؛ فَهُوَ لَكَ)) رواه الإمام أحمد. فلمَّا وقعت الفتن كَسَر سيفه وقال لابن أخيه: أُريد سيفاً إذا ضربتُ به المؤمنَ لم يُؤذِه، ولم يقطع فيه شيئاً، وإذا ضربتُ الكافر قَطَع. ثم اتخذ سيفاً من خشب رضي الله عنه وأرضاه.


 


وكان سعدٌ رجُلاً صالحاً موفَّقاً، ومن صلاحه موافقته لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لما أرِقَ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَحْرُسُكَ فَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ، متفق عليه.


وفي صحيح مسلم عن المِقدام بنِ شُريح عن أبيه عن سعد في قوله تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}[الأنعام52] قال: إنها نزلت في ستة، أنا وابنُ مسعودٍ منهم.


 


وكان رضي الله عنه من أعظم الصحابة تعبُّداً واجتهاداً بالمال والنفس. وحين طلبه بعضُ ولده وقت الفتنة وذكر له أنه خليقٌ أي جديرٌ- بالخلافة قال له: اسكُتْ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يُحب العبد التقيَّ الغنيَّ الخفي)) رواه مسلم.


 


وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مَسَحَ على الخُفَّين. فَسَأَلَ عبدُ الله بنُ عمر أباه عمراً عن ذلك؛ فقال: نعم، إذا حدَّثك سعدٌ شيئاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تسأَل عنه غيرَه.


 


فهذا دليل صدقه، ودليل علمه رضي الله عنه، وقد كان من علماء الصحابة المشهورين بذلك رضي الله عنهم، وله أقوالٌ مشهورةٌ كثيرة، في كتب الفقه وغيرها، وبعضها لم يُروَ عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.


 



 


وكان سعدٌ من أشهر مستجابي الدعوة، ولا جرم، فإن كانت هذه أعماله، وصدقُه، وعلمُه، وجهادُه فمثل هذا لا يخيبُ سعيُه أبداً، رضي الله عنه. وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم استجب لسعدٍ إذا دعاك)) رواه الترمذي، فكان لا يدعو إلا استُجيب له، وكان الناس يعلمون ذلك منه، ويخافون دعاءه رضي الله عنه.


 


ومن ذلك ما رواه ابن عساكر في تاريخه بإسناده إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: أقبلتُ مع سعد مِن أرضٍ له، فمر بأُناس عكوفٍ على رجلٍ، فدنا سعدٌ فأطلع رأسه من بين رجلين؛ فإذا رجلٌ يسبُّ علياً وطلحةَ والزبيرَ؛ فنهاهُ سعدٌ، وَأَشْهَدَ عليه، فلم يَنْتَهِ؛ فقال: ما لك وَلِسَبِّ أقوامٍ هم خيرٌ منك؟! فكأنما زاده إغراءً. فقال له سعد: لتَنْتَهِيَنَّ أو لأدعُوَنَّ اللهَ عليك. قال: فَجَعَلَ يَنتقِصُ سعداً ويقول: كأنما يتهددني نبيٌ من الأنبياء!!


فانصرف عنه سعدٌ؛ فَأَتى دارَه؛ فأُتي بِوَضوء فتوَضَّأَ، ثم دخل المسجد فصلى ركعتين؛ ثم قال: اللهم إنْ كان هذا العبدُ سَبَّ أقواماً قد سبق لهم منك خيرٌ أَسْخَطَك بِسَبِّه إياهُم؛ فأرِهِ اليومَ آيةً تكونُ آيةً للمؤمنين.


قال: وتَخرُجُ بُختيةٌ من دار بني فلانٍ نَادَّةٌ، لا يرد صَدَرَها شيءٌ، حتى أتته؛ فَتَفَرَّقَ الناسُ عنه، فَتَخْبِطُه بقوائمِها حتى طَفِي. قال عامرٌ: فأنا رأيتُ الناس يتبعون سعداً ويقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق.


 


ومن ذلك أنه ولج بأقوامٍ من أصحابه بحر دِجلة أثناء قتالهم للفرس، حيث كان الفُرس يعتصمون منهم بالبحر، فإن شاؤوا باغتوهم بالسُّفن، وإن شاؤوا فروا إلى ما وراء هذا البحر، فقال سعدٌ لأصحابه: إن عدوَّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه... وقد رأيتُ أن تُبادروا جهاد عدوِّكم بنياتكم الصالحة... ألا إني قد عزمتُ على قطعِ هذا البحرِ إليهم. فتقدَّم المسلمون، واقتحموا بخيولهم دِجلة؛ فلمَّا رآهم الفُرسُ يطوفون على وجه الماء قالوا: دِيوانا.. دِيوانا؛ يقولون: مجانين، مجانين. وقالوا: واللهِ إنكم ما تقاتلون إنْسَاً، إنما تُقاتلون جِنَّاً. وكانوا قد ملؤوا ما بين الجانبين، فلا يُرى وجهُ الماء من الفُرسان والرَّجَّالة. وجعل الناسُ يتحدَّثون على وجه البحر لما حصَلَ لهم من الطُّمأنينة والوثوق بحفظِ الله ووعدِه، ونصرِهِ وتأيِيده.


قال بعض العلماء مبيِّناً بعض أسباب ذلك: ولأن أميرَهم سعدٌ أحدُ العشرة المبشرين بالجنة، وقد تُوُفِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ، ودعا له.. ثم قال: والمقطوعُ أن سعداً دعا لجيشِه في هذا اليوم بالسلامة وقد رمى بهم في هذا اليَمِّ؛ فَسَلِموا، لم يُفقَدْ منهم رجلٌ واحد، ولم يُعدَم لهم شيءٌ.


وقد أمر سعدٌ الناس أن يقولوا عند دخول الماء: نستعين بالله ونتوكَّلُ عليه، حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


 


اللهم ارض عن سعدٍ في الأولين، وارض عن سعدٍ في الطيبين، وارض اللهم عن سعد في صحابة نبيِّك البررة الميامين، اللهم ألحقنا بهم، وأحينا على نهجهم، وارزقنا حُبَّهم، وارزقنا من همتهم، وجنِّبنا اللهم أن يكون هؤلاء الكرامُ العظماءُ خصماءَ لنا يوم القيامة بين يديك.


 

تاريخ الاضافة: 27-02-2010
طباعة